قرارات اقتصادية جريئة: هل تخرج السودان من أزمته المعيشية أم تزيد الطين بلة؟


هذا الخبر بعنوان "هل تنقذ القرارات الأخيرة الموقف المأزوم للضائقة المعيشية" نشر أولاً على موقع سودان تربيون وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة تهدف إلى تخفيف الأزمة المعيشية المتفاقمة، أصدر رئيس مجلس السيادة السوداني قرارات اقتصادية هامة. تضمنت هذه القرارات إلغاء حظر استيراد عدد من السلع الذي فرضته وزارة التجارة سابقاً، وإعفاء سلع أساسية كالدقيق والأرز والبقوليات وزيوت الطعام والخضروات والفواكه من الرسوم الجمركية، مع فتح باب استيرادها أمام جميع التجار والمستوردين. يبقى السؤال المحوري: هل ستنجح هذه الإجراءات في إنقاذ الموقف الاقتصادي المأزوم للمواطن السوداني أم ستزيد من تعقيداته؟
يُشير التحليل إلى أن قرار الحظر السابق الذي اتخذته وزارة الصناعة والتجارة في 12 مايو 2026، كان معيباً من حيث التوقيت والتنفيذ والمضمون. فقد جاء في وقت كان فيه الجنيه السوداني يشهد تدهوراً مستمراً مقابل الدولار، حيث قفز سعره من 4100 جنيه للدولار وقت اتخاذ القرار إلى ما يقارب 10000 جنيه في وقت لاحق. كما أن الأهداف المعلنة للحظر، مثل توفير النقد الأجنبي وحماية المنتج المحلي، لم تتحقق بالشكل المرجو.
من الناحية الشكلية، كان قرار الحظر متسرعاً، حيث صدر قبل اكتمال دراسة فريق العمل الذي شكله رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس لدراسة حلول ترشيد الاستيراد. أما من الناحية الموضوعية، فإن السلع المحظورة كانت تمثل نسبة ضئيلة جداً من فاتورة الاستيراد الكلية، مما يجعل تأثير الحظر محدوداً على العجز التجاري. علاوة على ذلك، فإن الحظر يتعارض مع الاتفاقيات التجارية الإقليمية والدولية التي تلتزم بها السودان، مثل منظمة التجارة العالمية (WTO) واتفاقيات الكوميسا (Comesa) والمنطقة العربية للتجارة الحرة (GAFTA) واتفاقية التجارة لقارة أفريقيا (AfCFTA).
تفاقمت المشكلة بسبب تدمير المصانع الوطنية وعدم توفير الدعم اللازم لها، مما جعل حظر سلع أساسية مثل الأرز والفول المصري أمراً غير مبرر، خاصة وأنها تمثل جزءاً هاماً من غذاء المواطنين والعمال. وقد أدى هذا الحظر إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع، حيث قفز سعر كيلو الأرز من 3000 إلى 14000 جنيه، وصحن الفول من 5000 إلى 10000 جنيه. كما كشفت الغرفة التجارية عن دخول كميات كبيرة من السلع المحظورة رسمياً عبر استثناءات وتسويات، بالإضافة إلى التهريب، مما زاد من تفاقم الأزمة.
جاء قرار الفريق البرهان بإلغاء الحظر كاعتراف ضمني بفشل هذه السياسة، والتي أدت إلى زيادة إفقار المواطن وتدهور خزينة الدولة. وتكشف هذه القرارات عن تخبط إداري في السياسات التجارية والاقتصادية، يتجلى في تناقض التصريحات الرسمية مع الواقع المعاش، كما حدث في أزمة الوقود حيث أكد رئيس الوزراء عدم وجود أزمة بينما كانت الطوابير تمتد لأميال. كما أن وزارة الطاقة ألقت باللوم على بطء تطبيق نظام "بنكك" وباب المندب في أزمة الوقود، بينما وزارة التجارة والصناعة صنفت سلعاً أساسية كـ "كماليات غير ضرورية"، مما أدى إلى تكدس بضائع بمليارات الجنيهات في المعابر.
تُظهر الأرقام حجم التخبط الإداري؛ فبينما كان هدف الحظر تثبيت سعر الدولار عند 4100 جنيه، وصل السعر إلى ما يقارب 10000 جنيه بعد خمسة أشهر. كما تضاعفت أسعار السلع المحظورة ثلاث مرات. ويتوقع أن تستغرق الآثار السلبية للحظر وقتاً لامتصاصها، حيث يُتوقع أن يبدأ تأثير القرارات التصحيحية في الأسبوع الأول إلى 10 أيام، مع تحسن ملحوظ في أسعار الرغيف والفول خلال 72 ساعة. أما عودة التوازن الكامل للسوق، فيتطلب 60-90 يوماً، بشرط توفير الدولار اللازم للاستيراد. وتتطلب الآثار الكارثية للحظر موسماً استيرادياً كاملاً (3 أشهر) حتى ينسى السوق فترة الحظر والاحتكار والتهريب.
تكمن إيجابيات قرارات الفريق البرهان في كونها قراراً سيادياً ألغى التخبط السياسي، وحمى القدرة الشرائية للمواطن، وقضى على السوق السوداء للسلع الغذائية، وأعاد الثقة للتجار. كما أنها رسالة سياسية للحكومة بأنها استمعت لصرخة المواطنين. أما السلبيات والمخاطر فتتمثل في أن القرار قد يكون حبراً على ورق بدون توفير الدولار، وقد يضر بالمنتج المحلي إذا استمر الإعفاء الجمركي طويلاً، كما أنه سيخلق فجوة تمويلية في الموازنة العامة للدولة. كما أن أزمة الوقود لم تُحل بعد، مما سيؤثر على تكلفة النقل والطحن.
في الختام، القرار صحيح في اتجاهه ولكنه يحتاج إلى أدوات مساندة. يجب توفير الدولار بسعر موحد، وحل أزمة الوقود، وفتح شهادات استيراد التقاوى والأسمدة، وعدم اللجوء إلى الحظر بل ترشيد الاستيراد وفق القوانين الدولية مع مراعاة المصلحة الوطنية.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد