جغرافيا القرن الأفريقي: صراعات تاريخية وتوترات إقليمية تهدد الاستقرار


هذا الخبر بعنوان "الخرطوم، أسمرا، أديس أبابا: جغرافيا واحدة وتواريخ متعادية" نشر أولاً على موقع سودان تربيون وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد منطقة القرن الأفريقي توترًا خطيرًا وتصعيدًا غير مسبوق، نتيجة صراعات قديمة متجددة تتداخل مع المتغيرات الإقليمية والدولية. تبادلت إثيوبيا وإريتريا مؤخرًا الشكاوى الرسمية أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، عقب تفاقم الأزمة بين البلدين بسبب تجدد الصراع في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، الذي يتاخم إريتريا، ودخول أقاليم وقوميات أخرى في الصراع، مما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما. اتهم وزير الخارجية الإثيوبي، جدعون تيموثيوس، إريتريا بشن عدوان صارخ وغزو شامل لبلاده، مشيرًا إلى توغل وحدات من مشاة المدرعات الإريترية لمسافة 60 كيلومترًا داخل الأراضي الإثيوبية في إقليم تيغراي. من جانبها، نفت إريتريا هذه الاتهامات، واصفةً إياها بأنها أكاذيب وذرائع لتبرير حرب عدوانية وشيكة، بسبب سعي رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للحصول على منفذ بحري سيادي بالقوة إلى البحر الأحمر، وهو ما تعتبره أسمرة إعلانًا للحرب.
أما السودان، الذي يخوض حربًا داخلية منذ أبريل 2023م ضد مليشيا الدعم السريع، فقد اتهم رسميًا إثيوبيا بالسماح لهذه القوات باستخدام مطارات داخل أراضيها لشن هجمات ودعم أطراف في الصراع السوداني. وفي المقابل، اتهم قائد الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، كلًا من السودان ومصر وإريتريا بدعم «تحالف البقاء» الذي يخوض معارك واسعة ضد الحكومة الفيدرالية، وهو ما نفاه العميد عاصم عوض، مؤكدًا أن القوات المسلحة السودانية ترفض هذه الاتهامات وتعتبرها ادعاءات لا أساس لها من الصحة، وأن السودان يملك أدلة على الدعم الإثيوبي لمليشيا الدعم السريع.
خلقت هذه الاتهامات المتبادلة مخاوف متزايدة من اتساع رقعة الصراعات الداخلية في هذه الدول وتحولها إلى حروب بالوكالة أو مواجهات إقليمية أوسع نطاقًا. إثيوبيا دولة محورية في القارة الأفريقية، وترتبط بالسودان بعلاقات تاريخية وجغرافية ممتدة، لا يقتصر على نهر النيل وحده. يصف آلان مورهيد في كتابه «The Blue Nile» الحدود بين البلدين بأنها نقطة تماس فاصلة بين ثقافات وديانات مختلفة، وصراع بين نمطين متباينين من الحياة. يجمع النيل بين هاتين الحضارتين، لكن الجغرافيا والتاريخ والعلاقات العرقية والثقافية والدينية تجمعهما أيضًا، بينما يفرقهما صراع الحضارات والأيديولوجيات.
تكتسب إثيوبيا أهمية خاصة للسودان، خاصة إقليم النيل الأزرق، الذي يتشارك معها الجغرافيا والتاريخ والحدود، بالإضافة إلى سد النهضة المثير للجدل. خلال زيارة خارجية لإقليم بني شنقول الإثيوبي عام 2021م، أكدت القيادة السياسية في إقليم النيل الأزرق ضرورة الحفاظ على علاقات حسن الجوار. ورغم التوقيع على عدة اتفاقيات ثنائية، إلا أن الحرب في السودان وحرب تيغراي والمتغيرات الجيوسياسية والدعم الإثيوبي لمليشيا الدعم السريع قوّضت هذه المساعي. لقد وضع الدعم الإثيوبي لمليشيا الدعم السريع، وتحويل إقليم النيل الأزرق إلى ساحة معركة بالوكالة، تاريخًا طويلًا من حسن الجوار والتداخل العرقي والثقافي أمام تحديات كبيرة، تاركًا جرحًا مؤلمًا بسبب الطائرات المسيّرة المنطلقة من الأراضي الإثيوبية.
تتسم علاقات إثيوبيا مع الصومال أيضًا بتاريخ طويل من الصراعات، حيث تخشى إثيوبيا من توحد الصومال وتتنازع تاريخيًا على إقليم أوغادين. سلّمت بريطانيا إقليم أوغادين إلى إثيوبيا عام 1948م، وهو ما لم يعترف به الصومال قط. اتهمت إثيوبيا لاحقًا المحاكم الإسلامية بدعم المتمردين الصوماليين، وازداد الأمر تعقيدًا مع تقارير تفيد بتمويل إريتريا للمحاكم الإسلامية وأطراف معادية لأديس أبابا.
وصل رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي، آبي أحمد، إلى السلطة في مارس 2018م، وانتهج نهجًا جديدًا لإعادة تشكيل التحالفات. حلّ الائتلاف الحاكم القديم، الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، وأسس حزب الازدهار في نوفمبر 2019م، مما رفضته جبهة تحرير تيغراي واعتبرته إقصاءً لها. تسارعت الأحداث لتنتهي بمواجهات عسكرية، وُقّع بعدها اتفاق سلام في بريتوريا في نوفمبر 2022م، لكن النزاع اندلع مجددًا في سبتمبر 2026م بصورة أشد عنفًا.
يسعى آبي أحمد للحصول على منفذ بحري، مؤكدًا أنه أولوية وطنية رئيسية، سواء عبر المفاوضات أو القوة. ومع ذلك، فإن محاولات أديس أبابا للحصول على منفذ بحري بالقوة ليست في مصلحتها، ولن تحقق ذلك، كما لن تؤمن سد النهضة بالقوة. خاضت إثيوبيا حربًا مريرة مع إريتريا بين عامي 1998 و2000م دون تحقيق مكاسب حاسمة. إن استراتيجية أديس أبابا القائمة على دعم المعارضة المسلحة والجماعات الانفصالية في دول الجوار لن تحقق لها ما تريده.
تتمتع الدول التي تطمع إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري منها بسيادة قائمة وتحالفات خارجية. إن احتلال أحد الموانئ سيُعد احتلالًا أجنبيًا ستقاومه شعوب تلك الدول. وعليه، فإن السبيل الوحيد أمام إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يكمن في الوسائل السلمية والمفاوضات والترتيبات القائمة على التكامل الاقتصادي والمنفعة المتبادلة واحترام القانون الدولي.
سياسة
سياسة
سياسة