وصية فتى في السادسة عشرة: مكيالان سمسم وأربعة أجولة من الوجع في مواجهة وطن عاجز


هذا الخبر بعنوان "مكيالان سمسم .. وأربعة أجولة من الوجع" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهدٍ يمزق القلوب، يوصي فتى في السادسة عشرة من عمره، يُدعى الطيب الهادي، بسداد دينه والتصدق بما تبقى من ماله، طالباً العفو من رفاقه وهو على فراش الموت. هذه المأساة تتجاوز موته الفردي لتصبح محاكمة لعالمٍ عجز عن حمايته، حيث اضطر لمواجهة الموت من أجل إطعام أشقائه الخمسة.
لم يكن الطيب يبحث عن ثروة، بل عن لقمة تسد جوع إخوته الصغار بعد غياب الأب والأم. وجد نفسه في السادسة عشرة يحمل أعباءً تفوق قدرة الرجال. خرج إلى الجبال بحثاً عن لقمة العيش، لكنه لم يعد. في مقطعٍ مؤثر، يظهر الطيب وهو يوصي رفاقه، معتذراً عن الرحيل: "أنا عافي عنكم وراضي عنكم، وإنتوا ذاتكم أعفوا لي". ثم يوصي بسداد ما عليه: مكيالان من السمسم وأربعة أجولة من العيش، ويطلب أن يُتصدّق بما بقي من ماله.
حتى في لحظاته الأخيرة، كان الطيب يخشى أن يترك ديناً أو عتباً. لم يطلب انتقاماً أو ثأراً، بل ردّاً للحقوق وطلباً للعفو. يتساءل الكاتب عن القلب الذي يخشى على حقوق الآخرين وهو يودّع الحياة، وعن الحياة التي تجعل فتىً يرحل بلغة الديون قبل أن يتعلم لغات الأحلام. يتخيل الكاتب رفاقه حوله، رجالاً خرجوا معه للرزق، ليصبحوا شهوداً على وداعٍ لا تتناسب أعمارهم معه.
إن وصية الطيب، مكيالان سمسم وأربعة أجولة عيش، هي تركة صغيرة في حساب الدنيا، لكنها ثقيلةٌ لدرجة أن وطناً بأكمله قد يعجز عن حملها. لم يكن الطيب استثناءً، بل مرآة لجيلٍ يُجبر على الكبر قبل أوانه، أطفالٌ فقدوا آباءهم، وشبابٌ أصبحوا آباءً لإخوتهم، وأسرٌ تنتظر عودة أبنائها بالرزق.
الدهابة، الذين يحفرون بأيديهم في الأرض بحثاً عن الذهب، هم بشرٌ تحفر الحاجة في أرواحهم. ينامون قرب الصخور ويتسلقون الجبال، لأن الجوع لا ينتظر استقرار البلاد. وحين يلاحقهم الموت في رحلة الرزق، فما هو الطريق المتبقي للفقراء؟
الأخبار المتداولة حول مأساة المعدنين تثير أسئلة ثقيلة بشأن الغارات التي استهدفت مواقع التعدين في المنطقة الحدودية، وحصيلة القتلى والجرحى، والمسؤولية عن الحادث. تباينت الأرقام، وتبقى الحاجة ماسةً لتحقيقٍ موثوق يكشف الحقائق ويحدد المسؤوليات. لا يجوز أن تكون حياة السودانيين هامشاً، ولا أن يُترك ذوو الضحايا بين روايات متضاربة.
بيان مجلس السيادة السوداني، بلغة اللجان وتقصّي الحقائق، ضروري ولكنه غير كافٍ. البيان الذي لا يضع الحقائق أمام الناس، ولا يشرح ما جرى، ولا يحدد مساراً واضحاً للمحاسبة وحماية المدنيين، يظل عاجزاً. فهل تستطيع اللجنة أن تعيد شقاء الطيب؟ الدولة تُختبر في قدرتها على حماية مواطنيها وكشف الحقيقة ومنع تكرار المأساة.
على الجانب المصري، تنتظر أسئلة السودانيين إجاباتٍ واضحة بشأن ما حدث للمعدنين. حين تسقط أرواحٌ مدنية، لا تكفي الروايات العامة أو الاتهامات المتبادلة. يحتاج الناس إلى حقيقةٍ موثقة وموقفٍ يضع حياة البشر في الصدارة. أمن الحدود مهم، لكنه لا ينبغي أن يحوّل الفقراء إلى أرقامٍ مجهولة.
في خضم وجع السودان، جاء وجعٌ جديد في الخرطوم: مقتل مواطنين مصريين وإصابة ثالث بإطلاق نار. أعلنت السلطات السودانية توقيف مشتبه به، والتحقيقات مستمرة. لا يجوز استباق النتائج أو الجزم بأن الجريمة كانت انتقاماً. لكن تزامن المأساتين يفرض سؤالاً مخيفاً: ماذا يحدث حين تتراكم الدماء وتسبق الشائعة الحقيقة؟ ثلاثة رجالٍ مصريين خرجوا بأحلامهم وأرزاقهم، انتهت حياة اثنين منهم. لهم أهلٌ ينتظرون، وقلوبٌ لا يعنيها من رفع السلاح؛ كل ما تعرفه أن عزيزاً خرج ولم يعد.
هنا كان ينبغي للعقل السياسي أن يسبق الرصاصة، وأن يحاصر الغضب بالحقيقة. العدالة لا تبدأ بالثأر، والتحقيق العادل يحمي المجتمع. دم السوداني لا يطفئه دم المصري، ودم المصري لا يمحو وجع السوداني. لا يُردّ حقٌّ بإنتاج ضحيةٍ جديدة. يا طيب، تركت لنا ديناً أكبر من كل ما أوصيت بردّه: سؤالاً عن وطنٍ يضطر فتيانه لمغادرة الطفولة بحثاً عن الرزق، ثم لا يجدون في لحظاتهم الأخيرة إلا أن يعتذروا عن ديونهم ويطلبوا العفو. لا نريد أن يتحول موتك إلى شعارٍ يُنسى، أو أن تُستغل دماؤك لإشعال كراهية بين شعبين. نريد حقيقةً تُعلن، ومسؤوليةً تُحدّد، وعدالةً لا تنتقي ضحاياها، وسياسةً تفهم أن حماية الإنسان تسبق كل بيان.
اجعلوا مكيالي السمسم وأجولة العيش سؤالاً يطارد كل من يستطيع أن يمنع تكرارها: كم طيباً آخر يجب أن يوصي بسداد دينه قبل أن نؤدي نحن ديننا تجاه الحياة؟
ومضة: ذاكرة الحروب تسجل أسماء القادة والجيوش، لكنها كثيراً ما تنسى آخر كلمة قالها إنسان عادي. الأمهات لا تنسى أصوات أبنائها. العالم قد ينسى اسم المعركة، لكنه لا ينبغي أن ينسى فتىً أوصى بردّ مكيالين من السمسم وأربعة أجولة من العيش، ثم طلب العفو.
أفق الحرف: حين يعجز الوطن عن حماية أبنائه، تصبح وصية طفلٍ محاكمة لضمير المسؤولين وللعالم أجمع. وحين يقتل الوجع إنساناً، لا تسمحوا له أن يقتل إنساناً آخر.
سياسة
سياسة
سياسة