السودان
سياسة

من القابلية للاستعمار إلى الاستباحة: تحليل عميق للمأساة السودانية عبر عدسة مالك بن نبي

سودان تربيون١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٧:٤٤ م0 مشاهدة
من القابلية للاستعمار إلى الاستباحة: تحليل عميق للمأساة السودانية عبر عدسة مالك بن نبي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من القابلية للاستعمار إلى القابلية للاستباحة: قراءة في المأساة السودانية على ضوء فكر مالك بن نبي" نشر أولاً على موقع سودان تربيون وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل الألم والمرارة التي يعيشها الشعب السوداني، ومع تكرار المآسي مثل مجزرتي المعدّنين، يبرز تساؤل حول مدى انطباق أطروحة المفكر الجزائري مالك بن نبي حول "القابلية للاستعمار" على الواقع السوداني الراهن. لا يهدف هذا الطرح إلى إدانة الشعب أو تحميل الضحايا مسؤولية ما حل بهم، بل إلى فهم أعمق للحالة السياسية والمؤسسية التي تصنعها النخب العسكرية والمليشياوية، والتي تُضعف الدولة وتفكك نسيج المجتمع وترهن القرار الوطني للقوى الخارجية.

يميز مالك بن نبي بين الاستعمار كعدوان خارجي، و"القابلية للاستعمار" كمظاهر ضعف داخلي تسمح للقوى الأجنبية بفرض نفوذها. في السياق السوداني، أدت الحرب وانهيار مؤسسات الدولة إلى حالة من "القابلية للاستباحة" للأرض والموارد والقرار الوطني، بل ودماء السودانيين.

إن استمرار الحرب من قبل النخب العسكرية والميليشياوية لا يدافع عن السيادة، بل يهدم شروطها. فالسيادة الحقيقية تتطلب مؤسسات شرعية، وحماية للمواطنين، واحتكاراً للقوة، وإدارة للعلاقات الخارجية وفقاً للمصلحة الوطنية. الحرب الحالية، بامتداداتها الإقليمية والدولية، فككت ما تبقى من الدولة السودانية، وحولت القوة المسلحة إلى أداة للسيطرة على موارد البلاد، مما يعكس "القابلية للاستعمار" في أبهى صورها حين تتحول الطاقة الوطنية إلى أداة تستخدمها قوى أخرى.

تتجلى المفارقة في مقتل السوداني بسلاح خارجي، تحمله يد سودانية، في حرب تمول جزئياً من موارده المنهوبة، وتقدم له كدفاع عن السيادة. هذه ليست سيادة، بل خصخصة لها. وتزداد المفارقة حين ترفع النخب المتحاربة شعارات الكرامة ورفض التدخل الخارجي، بينما تعتمد على الدعم الخارجي لبقائها.

مأساة المعدّنين، الذين سقط منهم عشرات القتلى في غارات قرب الحدود السودانية-المصرية، تسلط الضوء على غياب حماية الدولة لمواطنين دفعهم الفقر والحرب إلى العمل في بيئات خطرة. الدولة المسؤولة لا تبدأ بسؤال لماذا ذهب المواطنون إلى هناك، بل تسأل: من قتلهم؟ ولماذا عجزت الدولة عن حمايتهم؟ المشكلة تكمن في بنية عسكرية وميليشياوية حطمت المؤسسات المدنية، وحولت الموارد إلى اقتصاد حرب، واستدعت الرعاة الخارجيين.

يدرك مالك بن نبي أن قوة المجتمع تكمن في متانة العلاقات بين أفراده. الحرب الحالية لا تقتل الناس وتهدم المدن فحسب، بل تعيد تعريف السودانيين كقبائل وأقاليم متناحرة، مما يضعف الانتماء الوطني ويسهل على القوى الخارجية شراء الولاءات والتحكم في الموارد. خطاب الكراهية والتعبئة الجهوية والعرقية آلية تجعل السودان قابلاً للاستباحة.

لا تعفي نقد النخب السودانية القوى الخارجية من المسؤولية عن تسليح أطراف الحرب وانتهاك السيادة. الدفاع عن السودان يتطلب مسارين: مساءلة المتدخلين الخارجيين، وتفكيك بنية التبعية الداخلية بإنهاء الحرب وإعادة بناء الشرعية والمؤسسات.

الخلاص من "القابلية للاستباحة" لا يكون بانتصار أحد طرفي الحرب، بل باستعادة الدولة المدنية، وبناء المؤسسات، وتقديم المواطنة والمصلحة الوطنية على العصبيات. يجب على النخب المصرية، على سبيل المثال، أن تدرك أن الانحياز إلى سلطة انقلابية غير شرعية لن يضمن استدامة مصالحها، بل يجب بناء علاقة مؤسسية متوازنة مع دولة سودانية مدنية ديمقراطية.

تؤكد مأساة السودان أن الاستعمار قد يبدأ حين تدمر النخب مؤسسات بلادها وتستعين بالخارج. فقدت النخب العسكرية والمليشياوية صدقية ادعائها الدفاع عن السيادة حين جعلت استمرار سلطتها أهم من حياة السودانيين. استعادة السيادة تتطلب بناء علاقات وثيقة مع الجوار، لكنها لا ينبغي أن تُبنى عبر الوكلاء، بل بين دول مقتدرة تحكمها نخب ديمقراطية شرعية. نثمن الموقف المسؤول لمبادرة "مدد" المصرية والدكتورة أماني الطويل في المطالبة بالشفافية وحماية المدنيين.

شارك الخبر: