سوسيولوجيا الخوف وصناعة الضحية: كيف تُستبعد النخب السودانية المعدّنين؟


هذا الخبر بعنوان "سوسيولوجيا الخوف وصناعة الضحية: المعدّنون السودانيون" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يكشف موقف بعض المثقفين والنخب السودانية تجاه الاعتداء على ضحايا المعدّنين السودانيين (أكتوبر ٢٠٢٦م) عند حدود ولاية نهر النيل مع دولة مصر، عن أزمة تاريخية معقدة تتجاوز مجرد اختلاف الرأي أو التفسير. هذه الأزمة متجذرة في النظم السياسية والثقافية والاجتماعية، وتتعلق بعمليات تراثية في تقبل الآخر والتعايش الوطني.
يتجلى ذلك في الصمت المطبق، بل وفي وصف الانتهاكات بحق الضحايا بأنهم من دول إفريقية وغير سودانيين. كما يتضح في النظرة الهوياتية المقيتة التي تعتبرهم من أقاليم غرب السودان، أو سجناء هاربين أثناء الحرب، أو مجرد تجار مخدرات ومهربي بشر وتجارة غير مشروعة. وتُضاف إلى ذلك تبريرات خاطئة حول تواجدتهم داخل حدود الدولة المصرية، مما يستدعي القضاء عليهم، حتى لو بسلاح الطيران المصري، رغم كونهم مدنيين يبحثون عن حياة كريمة في ظل أوضاع بيئية قاسية تفتقر للخدمات. هذه التبريرات الفجة تمثل نموذجًا لتفكير منهجي متكامل يقوم على الإقصاء والوصم والاستبعاد الوطني.
ولا تقتصر حالة عجز النخبة والتهرب من المسؤولية عن الانتهاكات والقتل لمواطنين سودانيين على ذلك، بل تتعداه إلى إنتاج الضحية كمتهم، ونزع صفة الحقوق الإنسانية والمواطنة عنه، ووضعه خارج دائرة واجب الدولة والإسناد والتعاطف الأخلاقي الوطني. وهذا استمرار لأزمة الدولة السودانية وحالة التقوقع الهوياتي الاستبعادي تجاه الآخر المختلف، عبر استغلال أجهزة السلطة السياسية والأمنية وإيجاد مبررات واهية لممارسة الفساد الهوياتي الإثني العرقي.
فبدلًا من طرح أسئلة حول مسؤولية قتل المعدّنين، وتهجيرهم، والحرمان من الحماية، وتدمير أموالهم وحقوقهم، يتم التحول إلى أسئلة مثل: من هم؟ ومن أين جاؤوا؟ وهل هم سودانيون أصلًا؟ وهل يستحقون التعاطف؟ هذه الأسئلة ليست بريئة، بل هي سلوك تعويضي للهروب من المسؤولية، يدافع عن مصالح نخب ومجموعات مسيطرة على الدولة ويساندها، ويبث السموم في البنية المجتمعية.
تكمن خطورة هذا الفعل في أنه قد لا يكون موحدًا أو ذا مرجعيات إثنية وعرقية واحدة. فبعضه يصدر من نخب مدنية أو نخب لمجموعات مهمشة من المركز نفسه، بحثًا عن موقع في معادلة القوة، أو تخفيفًا لعقدة التهميش لديها من خلال إعادة إنتاج التهميش ضد ضحايا جدد. وفي هذا السياق، تكتسب الرؤية حول التعايش الاجتماعي وسوسيولوجيا الخوف من الآخر في السودان أهمية تفسيرية بالغة.
لا يُنظر إلى الخوف بوصفه انفعالًا نفسيًا ثقافيًا عابرًا، بل بوصفه أداة سياسية واجتماعية تُصنع وتُدار وتُوظف لإعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية في ما دون الدولة. فحين يشيع الخوف من الآخر، يتراجع الشعور بالمواطنة المتساوية، ويصبح الانتماء الإثني أو الجهوي أو المناطقي متقدمًا في ترتيب القيم على الانتماء الوطني. ويدور المواطن حول أسئلة مثل: من يشبهني؟ ومن يختلف عني؟ ومن يحمي مصالحي؟ وهكذا يتحول التنوع من ثراء وقوة إلى تهديد وضعف، وتتحول الدولة إلى ساحة صراع بين جماعات تتخوف بعضها من بعض.
إن بنية الدولة المركزية المهيمنة، وما تراكم فيها من سياسات إقصاء وتهميش منذ الاستقلال ١٩٥٦م بشكل نسبي، أسهمت في هذه الحلقة من العنف المتجدد، وحولت الخوف الهدام إلى نظام معرفي وثقافي واجتماعي مستدام، وليس مجرد رد فعل تلقائي مؤقت. وهي لا تتوقف عند هذا الحد، لأن التلاعب بالمشاكل الوطنية في إطار تنازع إقليمي لكسب مؤقت للسلطة لا يؤدي إلى إضعاف الوجدان السوداني المشترك فقط، بل يفتح الطريق أمام النزعات الانفصالية بوصفها خيارًا متاحًا طالما ظلت الدولة ضمن تحالف الطبقة الرأسمالية الطفيلي الإثني التي تبيع وتعرض الموارد مقابل دعم سياسي ولوجستي يعضد من قوة وسلطة الجماعة المهيمنة المتسلطة.
هنا يتحول السودان إلى سوق معاملات ومعادلات إقليمية، وتصير الموارد سلاحًا في يد النخب الناهبة، ويتحول الخوف إلى سلع يتم استيرادها وتصديرها، ويصبح الدعم الخارجي ليس حماية للدولة، بل تعميقًا لتفكيكها. فالدعم الذي يُمنح لهذه الجماعة أو تلك لا يحل المشكلة الوطنية، بل يؤجلها ويضاعفها، لأنه يبقي الدولة رهينة توازنات خارجية، ويجعل الموارد الطبيعية وقودًا للحرب بدلًا من أن تكون أساسًا للتنمية والعدالة والسلام.
النتيجة أن الوجدان السوداني المشترك يضعف، ويتراجع الشعور بالوطن الجامع، ويبدأ ما يمكن تسميته الانفصال الوجداني قبل الانفصال الجغرافي، إذ تشعر جماعات كاملة بأنها لم تعد جزءًا من هذا الوطن، وأن بقاءها ووجودها لم يعد كافيًا ولا يشبع الحاجات الأساسية. وهذا لا يعني تبنيًا للانفصال، بل توصيفًا لمسار خطير ينتج عن استمرار الدولة في بيع مواردها مقابل دعم سياسي ولوجستي بالوكالة يعزز الهيمنة المتسلطة. فكلما زاد التلاعب بالمشاكل الوطنية في الإطار الإقليمي، وكلما تحولت الدولة إلى أداة بيد تحالف رأسمالي طفيلي، زاد شعور الجماعات المهمشة بأن الخروج من الوطن أو الانكفاء الهوياتي أصبح حقًا متاحًا وربما ضرورة للبقاء.
في هذا المشهد، لا يكون الضحايا من المعدّنين إلا الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة من الضحايا الذين يُصنعون ثم يُستبعدون ثم يُقتلون، بينما تستمر النخب في تبرير القتل بالخوف من الآخر، وتستمر القوى الإقليمية في استثمار هذا الخوف لتحقيق مكاسب مؤقتة، ويستمر المجتمع في دفع الثمن من وجدانه ووحدته وكرامته. إن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يحدث بمجرد تغيير الخطاب أو إصدار بيانات إدانة، بل يتطلب تفكيكًا شاملًا لبنى الخوف وصناعة الكراهية، وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة المتساوية التي تتقدم على الانتماءات الإثنية والجهوية، وإيقاف تحويل الوطن إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية. وبدون ذلك، ستبقى المسوغات الجاهزة تُستخدم ضد كل ضحايا جدد، وسيظل الوجدان السوداني المشترك مهددًا بالتفكك، وسيظل الانفصال الوجداني، ثم المادي، خيارًا متاحًا طالما ظلت الدولة المتسلطة رهينة لتحالف طفيلي يتاجر بالموارد والقضايا الإنسانية وتناقضات الخوف السوسيولوجي الإقصائي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة