انهيار التعليم الحكومي في السودان: دمار المدارس وانقطاع الرواتب يهددان مستقبل جيل


هذا الخبر بعنوان "ركام المدارس و«انقطاع الرواتب» يدفعان قطاع التعليم الحكومي في السودان إلى الانهيار" نشر أولاً على موقع سودان تربيون وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
الخرطوم، 25 أكتوبر 2026 - في ظل استمرار الحرب، يواجه قطاع التعليم الحكومي في السودان تحديات كارثية. سمر، فتاة في السادسة عشرة من عمرها، اضطرت لترك مقعدها الدراسي في أم درمان، حاملةً أحلامها المؤجلة في حقيبة لم تعد تحمل دفاتر الجغرافيا والتاريخ، بل ملابس خفيفة ودفتر صغير. رحلة نزوح عبر ست ولايات سودانية انتزعت منها مقعدها الدراسي وشردت عائلتها، لتصبح جزءاً من واقع مؤلم يعيشه ملايين الأطفال.
لم تعد مقاعد الدراسة في السودان تتسع للأحلام، بل أصبحت شواهد على واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية والتعليمية. منذ اندلاع النزاع المسلح في 15 أبريل 2023، تحول قطاع التعليم الحكومي من ركيزة أساسية لبناء المستقبل إلى هدف مباشر وضحية صامتة للحرب. مع تفشي النزوح وتدمير البنى التحتية، وتحويل المدارس إلى مراكز إيواء أو ثكنات عسكرية، تلقى التعليم الحكومي، الذي كان يعاني قبل الحرب، لطمة قاسية حولته لأكثر الأنظمة التعليمية انهياراً في العالم.
أرقام تفوق الخيال
وثقت المنظمات الأممية والدولية انهياراً غير مسبوق في المنظومة التعليمية السودانية. في 18 أكتوبر 2023، حذرت مجموعة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة من أن السودان بات على شفا أسوأ أزمة تعليمية في العالم، حيث بلغ عدد الأطفال خارج أسوار المدارس نحو 19 مليون طفل. وفي تقرير لليونيسف صدر في 17 سبتمبر 2024، ظل أكثر من 17 مليون طفل في سن الدراسة خارج المدارس، مع بقاء 90% من المدارس مغلقة تماماً في أغلب الولايات.
منظمة “أنقذوا الأطفال” (Save the Children) وثقت في تقريرها الصادر في 22 يناير 2026 أن ملايين الأطفال فقدوا ما يقارب 500 يوم من التعلم المستمر. وأكدت المنظمة أن أكثر من 8 ملايين طفل لم يعودوا يرتادون المدارس نهائياً، وأن 55% من المدارس بقيت مغلقة، بينما تحول مبنى مدرسي واحد من كل عشرة مبانٍ إلى مركز إيواء للنازحين. وأشار تقرير الشراكة العالمية من أجل التعليم الصادر في 8 فبراير 2026 إلى أن آلاف المدارس تحولت إلى ثكنات عسكرية أو مراكز إيواء، ولم يتبقَ مفتوحاً سوى 3% فقط من المدارس في إقليم دارفور.
قراءة ميدانية للواقع الكارثي
في مقابل الأرقام الأممية، قدمت لجنة المعلمين السودانيين قراءة ميدانية دقيقة تعكس الواقع الكارثي. في بيان رسمي صادر في 26 يناير 2026، كذّبت اللجنة التقليل من حجم الأزمة، مؤكدة أن عدد التلاميذ الفعليين خارج المدارس يفوق 8 ملايين طفل. وانتقدت اللجنة الاعتماد على حسابات “فترات الانقطاع بـ 500 يوم” كمعيار وحيد، مشيرة إلى أن هناك ولايات سودانية كاملة لم تشهد أي نوع من التعليم منذ اندلاع الحرب، فضلاً عن تجاهل أعداد الأطفال الذين بلغوا سن التعليم النظامي بعد الحرب ولم يجدوا مدرسة واحدة تستقبلهم.
عمق التراجع: الشهادة السودانية كمؤشر
تعكس مؤشرات الشهادة السودانية عمق التراجع. فبينما جلس نحو 570 ألف طالب وطالبة لامتحانات الشهادة السودانية في العام الأخير قبل الحرب 2023، انهار العدد في سنوات الحرب ليقتصر على قرابة 200 ألف طالب فقط، مما يعني حرمان أكثر من 370 ألف طالب من حقهم في الامتحانات في عام واحد. وتشير تقديرات لجنة المعلمين إلى حرمان ما بين 150 ألفاً إلى 200 ألف طالب، غالبية معظمهم من الفتيات، من الجلوس للامتحانات لثلاث سنوات متتالية في إقليم دارفور وولايات أخرى.
شهادتان في وطن واحد: تسييس التعليم
لم تعد الحرب تقتصر على معارك السلاح، بل تجاوزتها لتفتح جبهة “تسييس التعليم”. لأول مرة في تاريخ السودان الحديث، يحتدم الجدل حول صدور نتيجتين لامتحان الشهادة السودانية، إحداهما تحت إشراف وزارة التربية والتعليم التابعة للسلطة المركزية، وأخرى يجري ترتيبها في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع وحلفائها. هذا التشظي المؤسسي المزدوج يهدد بشرعنة تقسيم الأراضي السودانية واقعياً وعملياً عبر بوابات المدارس والمناهج الدراسية.
الرواتب المقطوعة والشتات: معاناة المعلم السوداني
يعيش المعلم السوداني تحت خط الفقر المدقع، إذ تشير تقارير إلى أن أكثر من 50% من المعلمين لم يحصلوا على رواتبهم الثابتة لمدة عام على الأقل. هذا العجز المالي دفع آلاف المعلمين إلى النزوح القسري أو البحث عن سبل بقاء بديلة، مما أدى إلى تفريغ المدارس الحكومية المتبقية من كوادرها المؤهلة. ويرى المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، أن استمرار حرمان المعلمين من مستحقاتهم وهزال الرواتب يعكس عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه التعليم.
وأكد الباقر أن لجنة المعلمين السودانيين ترى أن استمرار تدهور التعليم الحكومي ليس منفصلاً عن فشل السياسات الحكومية في توفير التمويل الكافي، وحماية المدارس، وضمان حقوق المعلمين. ودعا إلى إبعاد التعليم عن الصراعات السياسية والعسكرية، وحماية المدارس والمعلمين والطلاب، وجعل التعليم مدخلاً للوحدة الوطنية والسلام. وحذر الباقر من استمرار النهج الحالي مما يهدد بتراجع التعليم الحكومي لصالح التعليم الخاص، وتحويل التعليم الجيد من حق لكل طفل إلى امتياز لمن يستطيع دفع تكلفته.
بدائل مرنة لمواجهة الأزمة
يعتبر الخبير التربوي إلياس باسيل، أن أزمة التعليم في السودان تهدد بفقدان جيل كامل حقه في التعليم. ورأى باسيل ضرورة وضع حلول متكاملة وبدائل مرنة، منها إنشاء مساحات تعلم مؤقتة في المراكز المجتمعية، ودور العبادة، والمباني العامة، إلى جانب إقامة فصول منخفضة التكلفة. وتطبيق تعليم مدمج يناسب الواقع السوداني. وشدد باسيل على أن أي خطة لإعادة التعليم الحكومي لن تنجح إذا تجاهلت أوضاع المعلمين، داعياً إلى توفير حوافز مالية منتظمة وتسهيل وصولهم إلى أماكن العمل.
المصير المجهول
يحيط مصير مجهول بمستقبل القطاع مع استمرار دخول المعلمين في إضرابات بسبب عدم دفع الرواتب. ومع عجز الحكومة عن دفع رواتب المعلمين أو تأهيل المدارس المدمرة، تبرز فجوة طبقية واسعة، حيث يتجه من يستطيع من الأسر إلى التعليم البديل أو الأهلي، بينما يُترك أبناء الفئات الفقيرة والنازحين لمصير مجهول تماماً. وتؤكد الصراعات الإدارية وشبهات الفساد التي كشفت عنها لجنة المعلمين غياب الرؤية الإنقاذية لدى الجهات الرسمية، مما يضع مستقبل ما تبقى من مؤسسات تعليمية حكومية على حافة الهاوية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة