السودان
سياسة

السودان: قمع الرأي العام بين الرصاص والصمت المفروض

التغيير٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٧:٠٠ م0 مشاهدة
السودان: قمع الرأي العام بين الرصاص والصمت المفروض

تنويه

هذا الخبر بعنوان "إعدام الرأي العام في السودان" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

على الرغم من المآسي المدمرة والأرواح التي أزهقت، يصرّ قائد الجيش السوداني، برهان، على الحكم فوق جثث السودانيين، ويسعى للجلوس في القصر الجمهوري، ممهداً طريقه بالجماجم التي سقطت في فض الاعتصام، وأتون الحرب، ورفض استمرار المذبحة الوطنية. ويهدد برهان المنتقدين له بصورة إرهابية، مؤكداً وصوله إليهم في أماكنهم، وهو منطق يحكم سلوكه منذ أن قرر أن السلطة أغلى من دماء مئات الآلاف.

وقد جاء الوضع الجديد الذي مهده وزير العدل، عبد الله درف، لمحاولة شرعنة سلطة مستبدة، لكنه هو ومن يدعمه لم يستطيعا طمس حجم الجريمة أو محو ذاكرة من شهدوا كيف أُديرت آلة القتل باسم الدولة التي تُنهب وتُمزق وتُهدد وحدتها بسياسة حلمه الكاذب بالاستقرار.

وأثارت وزارة العدل، بتعديلها للمادة (51) من القانون الجنائي المتعلقة بـ "إثارة الحرب ضد الدولة"، جدلاً واسعاً حول انتهاك حق التعبير. فتضمين عبارة "بما في ذلك النشر في الوسائط الإعلامية والإلكترونية" في القانون المعني، جاء كمسوغ للتضييق على حرية الصحافة والإعلام الرقمي، بهدف إسكات صوت المعارضين لانفراد البرهان، بدعم من الكيزان من خلفه. وكانت نقابة الصحفيين السودانيين قد حذرت من أن إدراج النشر عبر الوسائط الإلكترونية أو الإعلامية ضمن المادة (51) يفتح الباب أمام توسيع نطاق التجريم ليشمل العمل الصحفي المشروع، في ظل عقوبات تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد.

والأعجب من ذلك، أن جيش البرهان ومن يقفون خلفه يحتضنون قتلة السودانيين في مدني والخرطوم والفاشر، ويمنحونهم الغطاء والحماية، بينما توجه آلة الإعدام والحملات إلى كل صوت يرفض استمرار إهدار الدماء. فمن يعارض الحرب يُتهم، ومن يفضح المجازر يُستهدف، ومن يطالب بوقف النزيف يُعامل كالعدو الأول. أما من يُقتلون في الشوارع والأحياء والملاجئ، فيُحتفى بهم أو يُبرر لهم، ثم يستأنفون القتل من الاتجاه المعاكس.

إنها ليست حرباً وطنيةً، ولا معركةً من أجل بقاء الدولة، بل هي حرب الحركة الإسلامية التي تريد استعادة ما فقدته بالقوة، ولو على أنقاض البلاد وشعبها. والبرهان ليس إلا الوجه العسكري لهذا المشروع، يمهد له الطريق بالجثث، ويحمي منفذي الإعدامات اليومية، ثم يطلب من الرأي العام أن يصمت، أو يموت. فالبرهان ينوي إعدام الرأي العام في السودان مرتين: مرة بالرصاص والقذائف، ومرة بالصمت المفروض والتشويه المنظم.

ومن يظن أن هذا الطريق سيؤدي إلى قصر جمهوري آمن، فهو واهم. فالسلطة المبنية على الجماجم لا تدوم، والجيش الذي يحتضن القتلة لا يحمي وطناً، والحرب المدارة باسم الإسلام السياسي لا تنتج إلا مزيداً من الخراب. إلى الجحيم جيش البرهان ومليشياته، وإلى الجحيم كل من يقف خلف هذه الحرب ويغطي على جرائمها. فالوطن ليس غنيمةً، والشعب ليس وقوداً، والرأي العام ليس جثةً يُدفن فوقها طموح حاكم، أو جماعة قررت العودة للسلطة بمشاركة ود الحلمان في حصد جماجم السودانيين.

شارك الخبر: