السودان
اقتصاد

ظاهرة النينيو تضرب محاصيل السودان وتزيد خطر المجاعة مع تراجع المساعدات

التغيير٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠١:٢٠ م0 مشاهدة
ظاهرة النينيو تضرب محاصيل السودان وتزيد خطر المجاعة مع تراجع المساعدات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الجفاف يهدد محاصيل السودان وينذر بتفاقم المجاعة وسط تراجع المساعدات" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يواجه السودان تهديداً جديداً لأمنه الغذائي، حيث يتفاقم الجفاف وترتفع درجات الحرارة بفعل ظاهرة النينيو المناخية. يأتي هذا في وقت لا يزال فيه المزارعون يعانون تداعيات الحرب المستمرة منذ عام 2023، والتي أعاقت قدرتهم على زراعة المحاصيل وحصادها. يحذر مسؤولون أمميون وخبراء إغاثة ومزارعون من أن تراجع الإنتاج الزراعي ونفوق الثروة الحيوانية قد يدفعان البلاد إلى موجة جديدة من الجوع الحاد، في ظل استمرار الصراع وتقلص التمويل الإنساني.

أدت الظروف المناخية القاسية إلى تفاقم الأوضاع في المناطق التي تعتمد على الزراعة المطرية، خصوصاً في جنوب البلاد ومناطق أخرى تشكل مصدراً رئيسياً للغذاء. وبحسب مسؤولين في الأمم المتحدة وخبراء في العمل الإنساني وأكثر من عشرين مزارعاً تحدثوا إلى وكالة «رويترز»، فإن الجفاف يلحق أضراراً واسعة بالمحاصيل والماشية، فيما يتوقع أحد كبار المزارعين ألا يتجاوز إنتاجه هذا العام ربع محصول العام الماضي.

في تحذير صدر في 12 أكتوبر الجاري، قالت المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، المدعومة من الأمم المتحدة، إن «خطر المجاعة يتزايد في العديد من المناطق التي طالها الصراع في السودان، حيث يؤدي الجفاف الناجم عن ظاهرة النينيو إلى تدهور الظروف المتردية أصلاً».

تراجع الأمطار إلى أدنى مستوياتها منذ عقود

تشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن معدلات هطول الأمطار خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر، التي تمثل ذروة موسم الأمطار في السودان، سجلت أدنى مستوياتها منذ أكثر من ثلاثة عقود على مستوى البلاد. وفي ولاية شمال دارفور غربي السودان، كانت معدلات الأمطار هي الأدنى منذ عام 1984، الذي شهد مجاعة مدمرة في السودان وإثيوبيا. كما سجلت ولاية شمال كردفان، في المنطقة الوسطى، أدنى معدلات هطول منذ عام 1990، فيما شهدت ولاية القضارف جنوب شرقي البلاد أقل معدلات أمطار منذ عام 1991.

وكانت المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي قد أفادت في يونيو الماضي بأن 5.1 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات حادة من الجوع، فيما تعمل حالياً على تحديث تقديراتها. وكان من المتوقع أن يسهم بدء موسم الحصاد خلال نوفمبر وديسمبر المقبلين، إلى جانب الهدوء النسبي للقتال في بعض المناطق، في تخفيف حدة الأزمة. غير أن الجفاف المرتبط بظاهرة النينيو يهدد بتبديد هذه التوقعات وزيادة أعداد الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي.

وقال سامويل كليندون، مدير برنامج السودان في برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، لـ«رويترز» في أكتوبر الجاري، إن البرنامج يتوقع أن يواجه 350 ألف شخص إضافي جوعاً شديداً بحلول نهاية عام 2026، على أن يرتفع العدد إلى 1.2 مليون شخص إضافي بحلول أغسطس 2027. وتستند هذه التقديرات إلى أرقام شاركها البرنامج مع الجهات المانحة، لكنها لم تُعلن على نطاق واسع. وحدد برنامج الأغذية العالمي إقليمي دارفور وكردفان باعتبارهما من أكثر المناطق تضرراً من الأزمة.

المحاصيل تذبل والماشية تفقد أوزانها

في ولاية شمال كردفان، تحاول المزارعة مريم عمر، إزالة الأعشاب الضارة من أرضها الصغيرة بالقرب من مدينة أم روابة، لكن المحاصيل التي كان يفترض أن تقترب من مرحلة الحصاد تبدو ذابلة وسط التربة الرملية الجافة. وتقول مريم : «هذا العام سيئ للغاية». أما محمد عبد الرحمن، وهو مزارع يمتلك نحو 420 هكتاراً في منطقة أم روابة، فيقول إن عدداً كبيراً من المزارعين الذين نزحوا بسبب الحرب بدأوا العودة إلى أراضيهم، ليجدوا أنفسهم أمام ظروف جفاف قاسية تهدد محاصيلهم. ويعمل عبد الرحمن أيضاً في تجارة السمسم، ويقدم التمويل لصغار المزارعين، ويقدر أن نحو 40% من الأراضي الزراعية في المنطقة لن تنتج أي محصول هذا العام.

ولا تقتصر آثار الجفاف على الزراعة، بل تمتد إلى الثروة الحيوانية، التي تمثل مورداً أساسياً لمعيشة السكان ومصدراً مهماً للغذاء والدخل. وفي سوق الماشية بمدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تظهر أضلاع الأبقار بوضوح تحت جلودها المغطاة بالغبار، في مشهد يعكس تراجع المراعي وشح الموارد خلال موسم الخريف. ويقول تاجر الماشية سراج الدين عبد اللطيف: «في مثل هذا الوقت من العام، تكون الماشية عادة سمينة ويجني الجميع أرباحاً. أما الآن، ومع شح الموارد في موسم الخريف هذا، صارت الماشية هزيلة». وكان عبد اللطيف يتحدث بينما يعد أوراقاً نقدية من الجنيه السوداني، الذي تراجعت قيمته بسرعة، ما أسهم في تأجيج التضخم وزيادة الأعباء المعيشية على السكان.

تراجع التمويل يقلص المساعدات الغذائية

تأتي الضغوط المناخية في وقت يواجه فيه برنامج الأغذية العالمي صعوبات في توفير الموارد اللازمة لتلبية الاحتياجات المتزايدة. ويعمل البرنامج على إيصال الغذاء إلى خمسة ملايين شخص من الأكثر احتياجاً في السودان، لكنه يؤكد أنه لا يستطيع الوصول إلى جميع المستهدفين. وحتى في المناطق التي يتمكن من الوصول إليها، اضطر البرنامج إلى تقليص الحصص الغذائية لضمان استمرار تقديم المساعدات في ظل محدودية التمويل. وبحلول 17 أكتوبر الجاري، بلغت الأموال المتاحة للبرنامج لتمويل عملياته في السودان 276 مليون دولار، أي أقل من نصف ميزانية العام الماضي. ويقول البرنامج إنه يحتاج إلى 134 مليون دولار إضافية لمواجهة الجوع الناجم عن الجفاف.

وفي القاهرة، وصف كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، تزامن تراجع المساعدات مع انخفاض المحاصيل بأنه يعني «كارثة محققة»، وذلك عقب زيارة إلى إقليم دارفور اطلع فيها على آثار الجفاف. وفي مخيم طويلة بإقليم دارفور، الذي يؤوي نحو 700 ألف شخص نزحوا بسبب الحرب، خُفضت الحصص الغذائية إلى النصف، وفقاً لسكاو، في وقت أفاد فيه عمال الإغاثة بوصول تسعة آلاف شخص إلى المخيم بين بداية سبتمبر ومنتصف أكتوبر الجاري. ومن بين الوافدين الجدد سعاد أحمد، وهي معلمة اضطرت إلى النزوح مرات عدة منذ اندلاع الحرب. وغادرت سعاد قريتها الواقعة شرق مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وتوجهت إلى مخيم طويلة بحثاً عن الطعام. وتروي سعاد: «بينما كنت في طريقي إلى هنا، قال لي كثيرون: إذا وجدتِ طعاماً وشراباً هناك، أخبرينا، رجاء». وتعكس شهادتها اتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية، إذ لم يعد النزوح مرتبطاً بالمعارك وحدها، بل أصبح البحث عن الغذاء والماء عاملاً رئيسياً في دفع السكان إلى مغادرة مناطقهم. وقال آدم رجال، المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في السودان، وهي منظمة غير حكومية، إن الجوع أصبح الدافع الرئيسي الذي يجبر الناس على ترك منازلهم، مضيفاً: «لم يعد الأمر يقتصر على الرصاص».

القضارف تواجه أزمة رغم أهميتها للإمدادات الغذائية

وتواجه ولاية القضارف، التي ظلت بعيدة نسبياً عن القتال وشكلت إحدى الركائز الأساسية للإمدادات الغذائية في السودان خلال الحرب، تداعيات الجفاف بدورها. ويقول عماد كبسور، الذي يدير مزارع واسعة تمتد على مساحة 14,700 هكتار، إن الأضرار التي لحقت بالمحاصيل باتت كبيرة إلى درجة أن هطول الأمطار خلال الفترة المقبلة لن يغير كثيراً من حجم الخسائر المتوقعة. ويضيف كبسور: «حتى لو هطلت أمطار في الفترة المقبلة، فلن أحصل إلا على نحو 25% فقط من محصول العام الماضي»، مشيراً إلى أن درجات الحرارة المرتفعة للغاية تتسبب في احتراق المحاصيل داخل الحقول. ويتابع: «لم نشهد موسماً كهذا من قبل». وبحسب بيانات «مرصد رويترز للمناخ»، تراوحت درجات الحرارة في ولاية القضارف بين سبع وتسع درجات مئوية فوق المعدلات التاريخية المسجلة في 20 أكتوبر. وفي المقابل، قللت الحكومة السودانية من حجم التهديد الذي تواجهه الإمدادات الغذائية. وقال وزير الزراعة السوداني عصمت قرشي، خلال مؤتمر صحفي في الخرطوم يوم 8 أكتوبر، إن محصول هذا العام سيكون أقل من محصول العام الماضي، لكنه «لن يقل بشكل كبير» عنه.

اتهامات متبادلة بشأن إيصال المساعدات

وفي رده على سؤال لـ«رويترز» بشأن الجفاف، قال عبد الرحمن إسماعيل، المدير التنفيذي لوكالة الإغاثة والعمليات الإنسانية التابعة لقوات الدعم السريع، إن الوكالة بذلت جهوداً للتنسيق والدعوة إلى استجابة مبكرة، مضيفاً: «نعتقد أن بإمكاننا تقديم المزيد إذا توفرت الموارد والقدرات اللازمة». وتتهم وكالات إنسانية القوات الحكومية وقوات الدعم السريع مراراً بعرقلة وصول المساعدات أو منعها خلال الحرب، فيما ينفي الطرفان هذه الاتهامات. وسبق للمبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن رصدت جيوباً تعاني المجاعة في السودان خلال عامي 2024 و2025، من بينها مدينة الفاشر، التي ظلت تحت حصار فرضته قوات الدعم السريع لمدة عام ونصف العام على القوات الحكومية وحلفائها، إلى جانب ما يصل إلى ربع مليون مدني، قبل أن تسقط المدينة في أيدي القوات المحاصرة.

ويهدد الجفاف بتفاقم الأزمة الإنسانية في بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة، ويعيد إلى الأذهان مجاعة عام 1984 التي أودت بحياة مئات الآلاف في المنطقة. وقال أليكس دي وال، الخبير في شؤون المجاعات، إن الوضع الحالي «أسوأ بكثير جداً» من نواحٍ عديدة بسبب الصراع، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي حشد الموارد لتقديم المساعدات خلال ثمانينيات القرن الماضي، بينما تشهد ميزانيات المساعدات الدولية في الوقت الراهن تخفيضات كبيرة.

مخاوف من تكرار مأساة 1984

ويستعيد سراج الدين الطاهر، وهو مزارع من منطقة أم روابة، ذكريات مجاعة عام 1984، عندما تلفت المحاصيل ونفقت الماشية واضطر السكان إلى النزوح بحثاً عن الطعام. ويقول الطاهر: «لقد رحمنا الله، فجاءت الحكومة الأمريكية بالمساعدات ووزعتها في قريتنا». لكنه يعبر عن مخاوفه من تكرار المأساة في ظل الظروف الراهنة، قائلاً: «أما هذا العام، 2026، فلا نعرف كيف ستكون النهاية».

شارك الخبر: