السودان
سياسة

صبير ومفاجآت الحرب: هل الجمال في النصر أم في العدالة؟

التغيير٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٤٢ م0 مشاهدة
صبير ومفاجآت الحرب: هل الجمال في النصر أم في العدالة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "صبير.. أين يكمن الجمال في مفاجآت الحرب؟" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وضعت محاكمات نورمبرغ العالم أمام مسؤولية أخلاقية جسيمة: فالزي العسكري لا يعفي صاحبه من المسؤولية الفردية، والأوامر لا تُبرئ مرتكب الجرائم. كان الهدف حينها هو إنهاء الحرب، لكن السلام الذي يتجاهل العدالة يزرع بذور صراعات مستقبلية. هذا يقودنا إلى سؤال جوهري للسودان: هل تنتهي قصة الجنود العائدين من جبهات القتال بمجرد عودتهم إلى صفوف الجيش، أم تبدأ قصة أخرى تتمحور حول المحاسبة، العفو، وحقوق الضحايا؟

نشر الزميل ضياء الدين بلال على فيسبوك نقلاً عن الفريق محمد علي أحمد صبير، قائد الاستخبارات العسكرية، رده على سؤال حول استمرار استقطاب قيادات من قوات الدعم السريع: "أجمل المفاجآت لم تأتِ بعد". هذه العبارة، التي سبقتها ضحكة غامضة من صبير، تفتح الباب للتأويل، لكن السؤال الأهم يبقى: "أين يكمن الجمال في مفاجآت الحرب؟"

إذا كان المقصود هو نجاح الاستخبارات في استقطاب قيادات من الطرف الآخر، فقد يُعتبر ذلك مكسباً عسكرياً. لكن الوطن لا يُقاس بميزان العمليات العسكرية فقط؛ فهناك ميزان آخر يقيس سلامة القرى، عودة الأسر إلى بيوتها، توقف الرصاص، وهدوء المدن. ما قيمة المفاجأة التي تعرفها غرف العمليات إذا لم يشعر بها طفل يبحث عن الأمان؟

شهدت الساحة عودة أو انتقال أسماء مثل كيكل، النور قبة، إبراهيم بقال، والسافنا، وغيرهم. لكل حالة ظروفها، لكن تعددها يطرح تساؤلات مشروعة: هل جرى استقطاب هؤلاء بعد انخراطهم في الحرب، أم كانت لديهم ترتيبات سابقة مع الجيش؟ لا يجوز تحويل الاحتمالات إلى حقائق، لكن من حق السودانيين معرفة ما جرى وتداعياته.

إذا كان بعض العائدين يدّعون العمل لمصلحة الجيش من داخل الدعم السريع، فالسؤال يصبح أثقل: كيف تُدار مثل هذه العمليات؟ وما الأدلة التي تثبت طبيعة أدوارهم؟ وإذا شارك بعضهم في حرب أوقعت قتلى وشردت أناساً ودمرت ممتلكات، فهل تكفي رواية العمل السري لتفسير ما حدث أو لإسقاط المسؤولية؟ وما الذي تغيّر في الموقف، ومن يملك الإجابة أمام الضحايا؟

وماذا ينتظر العائدون؟ هل يعودون لصفوف الجيش فحسب، أم يبقون على قواتهم كما حدث مع كيكل والنور قبة؟ هل تُمنح لهم رتب ومواقع وامتيازات؟ لا يمكن الجزم بشروط كل حالة دون وثائق، لكن الشفافية مطلوبة. الرتبة العسكرية لا ينبغي أن تكون مكافأة على حساب الدم، والانضمام للجيش لا يمحو مسؤولية مثبتة. العفو له أحكامه، ولا يملك فرد أن يتنازل نيابة عن كل ضحية، ولا يمكن لصفقة سياسية أن تجعل حقوق الناس غنيمة. العفو الذي لا يملكه صاحبه ليس عفواً، وحقوق الضحايا ليست غنيمة حرب.

في المقابل، تبرز مفارقة سياسية: الفريق البرهان فتح الباب أمام السودانيين الراغبين في العودة والسلام والحوار، لكنه استبعد عودة حمدوك وتحالف (قحت). السؤال ليس عن حق جهة معينة في السلطة، بل عن المعيار الذي تُفتح به الأبواب وتُغلق. إذا كانت العودة من الحرب مدخلاً للتسوية، فلماذا يُعامل حمل السلاح كطريق للقبول، بينما تُضيَّق الخناق على قوى مدنية؟ المعيار العادل هو القانون والمساءلة وحق السودانيين في اختيار حكامهم، لا قرب الشخص من البندقية أو بعدها.

تبلغ الحرب هنا أشد مرارة: رجال يتبدلون بين المعسكرات، أسماء تُقدَّم كمفاجآت، ومواطن لا يعرف متى يعود إلى داره أو كيف يطعم أبناءه. وصف البرهان الحرب بالعبثية لم يبلغ عبثها هذه الشدة. العبث لا ينتهي بتبديل المواقع، بل حين تتوقف آلة الموت ويُستعاد الوطن من قبضة السلاح. أعظم الانتصارات ليس كسب طرف إلى صفك، بل كسب البلاد فرصة للحياة. السودان لا يحتاج إلى مفاجآت ترفع التوقعات ثم تترك الناس في المكان نفسه؛ يحتاج إلى قرار يوقف الحرب، يحمي المدنيين، يحاسب المسؤولين، ويفتح طريقاً لدولة لا تُدار بالغلبة.

قد تحمل عبارة صبير مفاجآت عسكرية ذات وزن، لكن من حق الوطن والضحايا السؤال قبل التصفيق أو النسيان. عودة قائد قد تغيّر ميزان معركة، أما عودة السلام فتغيّر مصير شعب بأكمله. هذه المسافة تقطعها البنادق حين تصمت، والعدالة حين تقوم، والدولة حين تعود ملكاً لمواطنيها.

هل تكون المفاجأة القادمة كوبرا، أو عثمان عمليات، أو عبد الرحيم دقلو، أو حتى حميدتي؟ وأي جمال سيلف الوطن بعودة أحدهم؟ هل يعود الأمن والاستقرار والرخاء؟ هل تصمت البنادق وتتوقف المسيرات وتعود البيوت إلى السلام؟ إذا كانت المفاجأة القادمة ستوقف الحرب وتحقن الدماء وتعيد الحق في الحياة، فستكون أجمل من الجمال نفسه. أما إذا عاد الرجال وظلت الحرب، فما الذي تغيّر سوى الأسماء والمواقع؟

ليست أجمل المفاجآت أن يعود الرجال إلى مواقعهم القديمة، بل أن يعود الوطن إلى أبنائه، وتعود العدالة إلى ضحاياها، ويعود السلام إلى أرض طال انتظارها. السودان أكبر من القادة، وأبقى من المعسكرات، وأحق بالحياة من كل حسابات الحرب.

شارك الخبر: