السودان
سياسة

ثورة 21 أكتوبر 1964م: دروس الماضي لتحديات بناء الديمقراطية في العالم الثالث

التغيير٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١١:٣٢ ص0 مشاهدة
ثورة 21 أكتوبر 1964م: دروس الماضي لتحديات بناء الديمقراطية في العالم الثالث

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الثورة والانتقال: تحديات البناء الديمقراطي.. ذكرى 21 أكتوبر 1964م" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

شهد العالم الثالث منذ منتصف القرن العشرين موجات متتالية من الثورات والانتفاضات الشعبية، مدفوعة بوعي متزايد بأن التغيير إرادة شعبية ورفضاً للأنظمة التسلطية التي احتكرت السلطة والثروة لعقود. إلا أن السمة الغالبة على هذه الثورات تكمن في تعقيد مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة الديكتاتورية، حيث يتحول وعد الحرية إلى اختبار واقعي للقوى المدنية والسياسية، ويبرز السؤال المحوري: كيف يمكن تحويل الانفجار الثوري إلى مسار مؤسسي مستقر نحو الديمقراطية؟

يكمن التحدي الأساسي في التحولات المدنية الديمقراطية في أن الأنظمة المخلوعة لا تستسلم بسهولة. فالقوى الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالنظام السابق تسعى لمد نفوذها من الماضي إلى المستقبل الثوري، مستخدمةً شبكاتها المالية وامتيازاتها الاقتصادية ونفوذها في أجهزة الدولة العميقة. وفي ظل الفراغ الدستوري وفروقات الانتقال بين ثورية الشارع وعمل المؤسسات، وبين مطالب الثورة وضغوط الواقع، غالباً ما وجدت هذه الجماعات في الجيش والشرطة وأجهزة الدولة أداة لإجهاض التغيير أو إفراغه من مضمونه. بل امتد هذا التأثير ليشمل الإدارات الأهلية والهياكل التقليدية والصوفية التي شكلت في كثير من الحالات شبكات ولاء موازية يمكن توظيفها لعرقلة التحول.

في المقابل، كانت الأحزاب والقوى المدنية، الفاعل في المجال العام، تعاني من إرهاق وضعف بنيوي نتاج سنوات طويلة من القمع والملاحقة وغياب التقاليد التنظيمية الديمقراطية الداخلية. فإذا كان النظام السابق قد أضعف هذه القوى عمداً، فإن مراحل الانتقال تكشف موازين القوة والضعف في مواجهة تحديات التنظيم والتفاوض وبناء التحالفات. وهنا يتضح أن نجاح التحول الديمقراطي لا يتوقف على إسقاط النظام فقط، بل على قدرة القوى المدنية على تجاوز مشكلات الخاص، وتوحيد صفوفها حول برنامج تفصيلي للفترة الانتقالية لا يقبل الشك والخلاف، وتحديد أدوار الفاعلين كافةً من الحركات الاجتماعية والنقابات ولجان المقاومة إلى الأحزاب وجماعات الضغط، بحيث لا تتحول هذه الكيانات إلى أوراق ضغط في يد السياسيين، بل إلى مؤسسات فاعلة في مسار واضح ومسؤول أمام الرأي العام والقانون الرسمي والشعبي.

مع التأكيد على أن التغيير الثوري، لكي يكون حقيقياً ومستداماً، لا بد أن يشمل رؤية شاملة تستجيب لمتطلبات المجتمعات الريفية والبدوية والحضرية، والفئات والبنى المتعددة المهنية والمطلبية، فلا تُختزل الثورة في مطالب النخب الحضرية أو القطاعات المنظمة السياسية وحدها، بل تعبر عن تطلعات كل مكونات المجتمع دون إقصاء أو تهميش.

إن الشواهد التاريخية، من ثورة أكتوبر ١٩٦٤ إلى انتفاضة مارس-أبريل ١٩٨٥ إلى ثورة ديسمبر ٢٠١٩، رغم تباعدها الزمني، تشكل سلسلة متصلة من حيث الدروس والعبر، وتؤكد أن الشعب ظل تواقاً للحرية والمدنية رغم آلات القمع والتجسس، وأن التراكم النضالي هو حافز للتغيير السلمي الجماهيري وليس ذاكرة ظرفية. تبرز لذلك ضرورة تجاوز الاختلافات حول النضال المشترك بوحدة القوى المدنية والسياسية وبرنامج حد أدنى للفترة الانتقالية، لكن ليس برنامجاً عاماً بل تفصيلياً يشمل الاقتصاد والعلاقات الخارجية والعدالة الانتقالية ونظام الإدارة والحكم، بما يسد الصراعات السياسية المتوقعة بين الكتل والتحالفات وتطابق رؤيتها الفلسفة السياسية والإيديولوجيا والواقع.

كما تستدعي حالة الفوضى المفاهيمية المتكررة حول الفاعلين في الدولة والمجتمع واجباً ثورياً ذا طابع أكاديمي بحثي لتحديد أدوار ووظائف كل كيان بالتحديد، حتى لا تصبح الكيانات حدائق خلفية يستغلها السياسيون كأوراق ضغط تخلخل مسار التحول الديمقراطي، مع الإقرار بحق الأحزاب والمؤسسات في تحالفات سياسية تحقق أهدافها، لكن في إطار أدوار المشاركة السياسية في الجهازين التنفيذي والتشريعي. تجارب جبهة الهيئات والتجمع النقابي وتجمع المهنيين تستفاد كنماذج عملية لكيفية إدارة هذه الأدوار دون تفريغ العملية السياسية من مضمونها.

وبهذا المعنى، فإن دراسة الثورات في العالم الثالث ليست سرداً لانتصارات اللحظة الثورية، بل تحليلاً لمعضلة الانتقال: كيف تتحول الذاكرة النضالية المتصلة إلى برنامج عمل ملزم، وكيف تُقيَّد قوى الماضي من التمدد إلى المستقبل، وكيف تُبنى مؤسسات ديمقراطية قادرة على حماية التغيير من الانقلاب.

شارك الخبر: