السودان
سياسة

جنوب أفريقيا تفتح ملفات الأبارتايد مجددًا: هل المصالحة تغطي على الإفلات من العقاب؟ دروس من السودان.

التغيير٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٣:٢٤ م0 مشاهدة
جنوب أفريقيا تفتح ملفات الأبارتايد مجددًا: هل المصالحة تغطي على الإفلات من العقاب؟ دروس من السودان.

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المصالحة أم الإفلات من العقاب؟ جنوب أفريقيا تعيد فتح ملفات جرائم الأبارتايد ودروس السودان." نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في تطور لافت لمواجهة إرث نظام الفصل العنصري (الأبارتايد)، أدلى الرئيس الجنوب أفريقي السابق ثابو مبيكي بشهادته أمام لجنة التحقيق في القضايا التي تعثرت بعد إحالتها من لجنة الحقيقة والمصالحة. يطرح هذا التحرك سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت القيادات السياسية في عهد الديمقراطية قد سمحت بتعطيل العدالة لمرتكبي جرائم حقبة الفصل العنصري تحت مبرر الحفاظ على المصالحة الوطنية.

ما موضوع لجنة التحقيق؟

بعد انتهاء نظام الفصل العنصري عام 1994، أنشأت جنوب أفريقيا لجنة الحقيقة والمصالحة، برئاسة رئيس الأساقفة الراحل ديزموند توتو، لكشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. اعتمدت اللجنة آلية للعفو المشروط، لكن مئات القضايا ظلت عالقة دون حسم لعقود. وتشير مراجعة مستقلة إلى أن نحو 300 قضية أُحيلت لمزيد من التحقيق، لكن عدداً قليلاً جداً منها أفضى إلى إدانات قضائية ناجحة. تحقق اللجنة الحالية، برئاسة القاضية المتقاعدة سيسي خامبيبي، في مزاعم تفيد بأن تدخلاً سياسياً وإخفاقات مؤسسية أسهما بصورة متعمدة في عرقلة هذه القضايا.

لماذا يجري استجواب مبيكي؟

تتعلق الاتهامات بقرارات اتُّخذت خلال فترة رئاسته (1999-2008) وبعدها. يتساءل محققون ومنتقدون عما إذا كانت بعض القيادات السياسية قد أقامت ترتيبات أتاحت لمسؤولين سابقين في الأجهزة الأمنية لنظام الفصل العنصري الإفلات من الملاحقة القضائية. تتركز المسألة في ثلاثة محاور: مزاعم وجود تفاهمات سرية، وموقف الحكومة من تقرير لجنة الحقيقة والمصالحة، وإخفاق أجهزة الادعاء في متابعة القضايا. ينفي مبيكي أنه أبرم أي اتفاق لحماية مرتكبي الجرائم، ويؤكد أنه رفض منح عفو شامل، وأن هيئة الادعاء الوطني مطالبة بتفسير أسباب عدم المضي في القضايا.

لماذا يجري التحقيق الآن؟

هناك أربعة أسباب رئيسية: استمرار مطالبة أسر الضحايا بالعدالة، وموافقة الحكومة على إجراء تحقيق رسمي في 29 مايو 2025، والطعون القانونية التي أخّرت بدء الجلسات قبل أن ترفضها المحكمة الدستورية في عام 2026، وتراجع فرص الوصول إلى الحقيقة مع مرور الزمن وتقدم الشهود في السن.

ما الذي تعنيه هذه القضية لمستقبل الديمقراطية في جنوب أفريقيا؟

تتعلق القضية بالعلاقة المعقدة بين المصالحة الوطنية والعدالة وسلطة الدولة في المجتمعات الخارجة من أنظمة القمع. يطرح استمرار القضايا دون حسم سؤالاً حول ما إذا كان إعطاء الأولوية للمصالحة قد حرم بعض الضحايا من حقهم في العدالة والمساءلة الفعلية. تكتسب تجربة جنوب أفريقيا أهمية دولية كنموذج للانتقال السياسي، لكن استمرار القضايا يثير تساؤلات حول حدود التسويات السياسية التي تعطي الأولوية لإنهاء الصراع دون ضمان المساءلة الكافية.

ما الدلالة السياسية والتاريخية الأعمق للتحقيق؟

يكشف التحقيق عن أزمة العدالة الانتقالية وحدود التسويات السياسية، واستمرارية المؤسسات والنخب، وتحديات شرعية الدولة الديمقراطية. لا تُقاس شرعية النظام الجديد بالانتخابات والدستور فحسب، بل بقدرته على حماية حقوق الضحايا وضمان استقلال المؤسسات القضائية. يكمن التحدي في إيجاد توازن مستدام بين إنهاء الصراع، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، والمساءلة القانونية.

ما الذي يمكن أن تعنيه هذه التجربة بالنسبة إلى السودان؟

تكتسب التجربة أهمية خاصة عند مقارنتها بالتحديات التي تواجه السودان. يمكن استخلاص خمس قضايا رئيسية: لا ينبغي اختزال السلام في اتفاق سياسي، والمصالحة لا تعني إلغاء المساءلة، واستقلال القضاء والادعاء العام شرط أساسي، ولا بد من معالجة جذور الصراع البنيوية، وينبغي إشراك الضحايا والمجتمعات المتضررة. ومع ذلك، لا يمكن نقل النموذج الجنوب أفريقي إلى السودان بصورة آلية؛ فلكل بلد تاريخه الخاص. المطلوب هو الاستفادة النقدية من التجربة.

الخلاصة:

شهادة ثابو مبيكي تفتح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية. هل تحققت المصالحة على حساب حقوق بعض الضحايا في العدالة؟ يمكن أن تساعد نتائج التحقيق في تحديد ما إذا كانت التأخيرات ناتجة عن تدخل سياسي، أو إخفاقات في عمل الادعاء العام، أو ضعف مؤسسي. السؤال الجوهري هو: هل يمكن تحقيق سلام ومصالحة وطنية مستدامين إذا لم تُكشف الحقيقة كاملة بشأن الفظائع السابقة، ولم يخضع المسؤولون عنها للمساءلة؟ هذا السؤال لا يخص جنوب أفريقيا وحدها، بل يكتسب أهمية خاصة في السودان، حيث تظل قضايا السلام والعدالة والإفلات من العقاب وإعادة بناء الدولة من التحديات المركزية أمام أي مشروع جاد للتحول الديمقراطي وبناء السلام المستدام.

شارك الخبر: