السودان
سياسة

حنين إلى "الرجل القوي": كيف حقق خبر وفاة نميري 8 ملايين مشاهدة؟

سودان تربيون٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٦:٠٠ ص0 مشاهدة
حنين إلى "الرجل القوي": كيف حقق خبر وفاة نميري 8 ملايين مشاهدة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حنين إلى «الرجل القوي».. قصة (8) ملايين مشاهدة لخبر وفاة نميري" نشر أولاً على موقع سودان تربيون وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل الأوضاع المأزومة التي يعيشها السودان حالياً، والتي تفاقمت بسبب تداعيات الحرب، يجد السودانيون أنفسهم متعلقين بالماضي، متطلعين إلى أيام خلت عاشوا فيها سنوات لا تقارن بما يواجهونه اليوم من ضنك ومعاناة في مختلف جوانب الحياة. مؤخراً، نشر المدون السوداني المعروف واصل علي طه، خبراً وصورة لتشييع الرئيس الأسبق جعفر نميري، حيث كان نعشه محمولاً على أكتاف العديد من الضباط، ويتقدم المشيعين الرئيس المعزول عمر البشير. فور نشر الخبر، انهالت آلاف التعليقات التي ترحمت على نميري وتحسرت على أيامه الماضية.

خلال أقل من 24 ساعة، حقق المنشور رقماً غير مسبوق بلغ 8 ملايين مشاهدة على صفحة "تاريخ السودان في خبر" التي يديرها واصل علي على فيسبوك. كما تجاوزت التفاعلات الثلاثين ألفاً خلال ساعات قليلة، بالإضافة إلى آلاف التعليقات. كان عنوان المنشور: "السودان يودّع نميري.. البشير يتقدم المشيعين وستة ضباط يحملون الجثمان على عنقريب".

يعزو واصل علي هذا التفاعل العالي إلى شخصية الرئيس الراحل نميري، الذي ترك لدى الناس انطباعاً بأنه حاكم قوي وحازم ووطني. ويرى واصل أن بطش نميري بمعارضيه، بدءاً من أحداث الجزيرة أبا عام 1970، مروراً بتصفية الشيوعيين عام 1971، وانتهاءً بإعدام محمود محمد طه عام 1985، قد عمّق هذا الانطباع. بالإضافة إلى ذلك، كان نميري أول رئيس بعد الاستقلال يعلن تطبيق الشريعة الإسلامية، مما لامس المشاعر الدينية لدى الكثير من السودانيين. كما تميز بحضوره الدولي القوي، حيث كان الأكثر لقاءً بقادة القوى العظمى بين رؤساء السودان. ولا يزال السودانيون، حتى من لم يعاصروا فترة حكمه التي امتدت 16 عاماً، يتداولون صوره وتسجيلاته التاريخية بشغف، مستحضرين هيبته ولياقته البدنية وخفة ظله.

يعتقد واصل أنه في ظل الحرب الحالية وغياب الدولة، يستدعي الكثيرون صورة ذلك العهد بحنين، بغض النظر عن اتفاقهم أو اختلافهم مع سياساته. ويلفت أيضاً إلى أن السودانيين بطبعهم شديدو التأثر بالموت، وفي لحظة الرحيل تتراجع الخلافات أمام واجب الترحم، مما يجعل الجميع، مؤيدين ومعارضين، يتفاعلون مع الخبر.

جاءت صورة الجنازة العسكرية المهيبة لجثمان نميري في باحة القصر الرئاسي بالخرطوم لتشد الانتباه. ومع التفاعل الكبير في الساعات الأولى للنشر، دفعت خوارزميات فيسبوك المنشور خارج دائرة متابعي صفحة "تاريخ السودان في خبر"، ليصل إلى ما يزيد على 8 ملايين مشاهدة خلال بضع ساعات. ولم يسبق لأي منشور في هذه الصفحة أن وصل إلى هذا الرقم الفلكي، حيث كان أعلى منشور سابقاً هو خبر مقتل الطفلة أميرة الحكيم عام 1987.

يوضح واصل أن الهدف من إعادة نشر الأحداث التاريخية في هذه الصفحة هو تقديم تاريخ السودان في صورة أخبار، حيث يُروى كل حدث تاريخي كأنه خبر عاجل، مع ذكر تاريخه ولغة صحافة ذلك الزمن ومصادره. وبهذه الطريقة، تصبح الأحداث الكبيرة، مثل وفاة نميري أو الانقلابات أو الاتفاقيات، قريبة وسهلة الهضم للقارئ بدلاً من السرد التاريخي الطويل. ولا يقتصر النشر على الأخبار السياسية فقط، بل يشمل أيضاً الأخبار الاقتصادية والاجتماعية والرياضية.

أصبحت الصفحة، التي بدأت على منصة "إكس/تويتر"، مرجعاً للعديد من الباحثين والمهتمين بالتاريخ السوداني، ويتابعها عدد كبير من الدبلوماسيين أيضاً.

تواجه عملية تجميع المعلومات وترتيبها ونشرها على الصفحة صعوبات كبيرة، حيث يقوم واصل بالعمل بمفرده، وهو مجهود مرهق يتطلب تركيزاً وتدقيقاً لضمان عدم وقوع أخطاء في التواريخ أو الأسماء أو الأرقام، حفاظاً على مصداقية الصفحة. تضاف إلى ذلك صعوبة شح المصادر وتضاربها، حيث تُروى العديد من الأحداث بروايات مختلفة، ويصعب الوصول إلى الصحف والوثائق الأصلية. كما أن حساسية الموضوعات المثارة، خاصة في التاريخ السياسي الحديث، تثير الاستقطاب، مما يتطلب حرصاً على نقل الحدث كما وقع وبلغة صحافة زمنه.

يغضب بعض الناس من أخبار يعتبرونها مسيئة لشخصية أو جهة يحبونها، أو يرونها غير مهمة. لكن التاريخ لا يُنتقى وفقاً لوجهة نظر المدون، والصفحة توثّق ما حدث فعلاً. ويكتشف القراء والمتفاعلون مع الصفحة أن مشاكل السودان مكررة منذ الاستقلال، مثل الانقلابات، والصراع على الحكم، والأزمات الاقتصادية، والحروب، وتعثر الديمقراطية. الأخبار التي تُنشر عن الخمسينيات والستينيات تبدو أحياناً وكأنها كُتبت اليوم. وهذا جعل الكثيرين يراجعون فكرة "الزمن الجميل"، ويكتشفون أن الماضي لم يكن مثالياً كما في الذاكرة الشعبية، وأن الحنين أحياناً يكون لزمن متخيَّل أكثر منه لزمن عاشه السودان فعلاً.

يعتقد واصل أن هذه الخلاصة تبدو من أهم رسائل الصفحة، وهي أن فهم جذور أزمات السودان يبدأ بمعرفة التاريخ كما هو، لا كما نحب أن نتذكره.

شارك الخبر: