السودان
سياسة

هل أوروبا على أعتاب ربيع جديد مع تحول أزمة المعيشة إلى تحدٍ للحكم؟

النيلين٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٤:٣٤ ص0 مشاهدة
هل أوروبا على أعتاب ربيع جديد مع تحول أزمة المعيشة إلى تحدٍ للحكم؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هل الربيع الأوروبي قادم، حين تتحول أزمة المعيشة إلى أزمة حكم" نشر أولاً على موقع النيلين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

قد تفلت حكومة أوروبية من سحب الثقة، لكنها قد تعجز عن إقناع موظف بأن راتبه يكفي لاستئجار منزل. هنا تبدأ الأزمة الحقيقية: عندما يظل النظام قادرًا على تشكيل الحكومات، لكنه يفقد قدرته على بث الطمأنينة في نفوس المواطنين. والخطر لا يكمن بالضرورة في ثورة تسقط الديمقراطية، بل في تداول للسلطة يغير الوجوه دون المساس بشروط العيش الأساسية، مما يدفع الناخب للتساؤل: لماذا أصوت؟

القارة الأوروبية ليست كتلة اقتصادية متجانسة، واحتجاجاتها لا تعكس بالضرورة دخولها في كساد. لكن قضية السكن تكشف عن فجوة عميقة بين امتلاك الأصول والعيش من العمل. فوفقًا لبيانات يوروستات، ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي بنسبة 63.6% بين عام 2015 والربع الثالث من عام 2025. وفي البرتغال وحدها، قفزت الأسعار بنسبة 169%، وهذه الأرقام تتعلق بأسعار الشراء، وليس الإيجارات. وفي سياق منفصل، تتلقى الباحثة كارولينا كروز منحة شهرية تبلغ حوالي 1300 يورو، وتدفع مع شريكها 716 يورو كإيجار، وهو مبلغ قد يتجاوز 1200 يورو عند تجديد العقد.

انخفاض التضخم لا يعني نهاية الغلاء، بل تباطؤًا في وتيرة ارتفاع الأسعار. لذلك، قد تتحسن المؤشرات الاقتصادية دون استعادة القدرة الشرائية المفقودة. وتختلف هذه التجربة بشكل كبير بين المالك والمستأجر، وبين المتقاعد والعامل الشاب. وهنا تتحول الأزمة إلى أزمة سياسية، لأن المتوسطات الاقتصادية قد تخفي توزيعًا غير عادل للأعباء، مما يجعل بعض الفئات تشعر بأن الاستقرار الذي تعلنه الحكومة لا يشملها.

تشكل المالية العامة خلفية مهمة لفهم هذه الأزمة. بلغ عجز منطقة اليورو 2.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وبلغ دينها العام 87.8%، وفقًا ليوروستات. وحققت اليونان فائضًا ماليًا رغم أن دينها بلغ 146.1%، بينما سجلت فرنسا عجزًا قدره 5.1%. هذه المقارنات لا تثبت تفوق عامل واحد، فمرونة الحركة المالية تعتمد على علاقة الدين بالنمو، والإيرادات، وكلفة التمويل، وآجاله، وأولويات الإنفاق. وهذه البيانات تعكس الوضع السابق ولا تقيس شدة الأزمة الحالية بدقة.

تضيق الخيارات مع تباطؤ النشاط الاقتصادي وضعف الإيرادات وتزايد مطالب الدعم. ومع إعادة التمويل بأسعار فائدة أعلى، قد تتنافس خدمة الدين مع المدارس والمستشفيات والاستثمارات. وقد يؤدي التقشف إلى تحسين الحسابات المالية ولكنه يضعف الطلب. وتختلف آثار الضرائب بحسب تصميمها. لذلك، فإن المعضلة ليست مجرد اختيار بين الإنفاق أو الانضباط المالي بمعزل عن السياق، بل هي تحديد إنفاق منتج، وتمويل مستدام، وتوزيع عادل للعبء يمكن الدفاع عنه.

في قطاع السكن، قد تؤدي المساعدات إلى زيادة الطلب دون تخفيف التكاليف إذا ظل المعروض مقيدًا. والمطلوب هو ربط الدعم بتوسيع نطاق البناء، وتسريع إجراءات الترخيص، وتحسين وسائل النقل، مع حماية الفئات المستهدفة خلال التنفيذ. أما الأجور، فتحتاج إلى مسار يعوض تآكل القدرة الشرائية دون إغفال الإنتاجية، وقدرة الشركات، والموازنة العامة. فالوعود غير الممولة قد تؤجل الغضب، لكنها تزيد خيبة الأمل عندما يحين موعد تحمل تكلفتها.

تكشف الاحتجاجات عن اختلاف طبيعة الأزمات. ففي فرنسا، تتقاطع مطالب التعليم مع مطالب المعيشة. وفي إيطاليا، تتجلى المعارضة للحروب والغلاء. وفي بلجيكا، تشهد البلاد تحركات طلابية. وفي البرتغال وإسبانيا، تتركز الاحتجاجات حول قضايا السكن. أما في ألبانيا، فتطالب الجماهير برحيل رئيس الوزراء إيدي راما. وتحولت حركة المحاسبة في صربيا إلى منافسة انتخابية. وتظهر تعبئة نقابية في ألمانيا وبريطانيا. لا يوحد هذه الساحات تنظيم واحد، ولا تثبت تزامنها انتقالًا ثوريًا مشتركًا.

توضح بيانات الثقة أهمية الشعور بالقدرة على التأثير. أظهر مسح لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، نُشر عام 2024 وشمل بيانات عام 2023 من ثلاثين دولة، أن 39% فقط من المشاركين لديهم ثقة مرتفعة أو متوسطة الارتفاع بالحكومات. وبلغت هذه النسبة 69% بين من يشعرون بامتلاك صوت سياسي، مقابل 22% لدى من لا يشعرون بذلك. هذه خلفية ليست أوروبية حصرًا، ولا تمثل قياسًا دقيقًا للاحتجاجات الحالية، والارتباط بين الثقة والشعور بالتأثير لا يثبت السببية أو قبول الاستبداد.

تاريخيًا، انتُخب لويس نابليون رئيسًا للجمهورية الفرنسية الثانية عام 1848، ثم انقلب على مؤسساتها عام 1851. ورغم أن الضمانات الديمقراطية الحالية تختلف، فإن التفويض الانتخابي وحده لا يحمي الديمقراطية. وقد يستغل اليسار الغضب ببرنامج اجتماعي، أو اليمين القومي بتحويله إلى معركة هوية وهجرة، أو القوى المدنية بالمطالبة بالمحاسبة. وهذه احتمالات مشروطة، وقد تؤدي معاقبة الحاكم إلى تشكيل ائتلافات ضعيفة بدلًا من بديل قادر.

الأرجح هو حدوث تبدلات حكومية وإصلاحات متفاوتة، أكثر من انهيار الأنظمة. ويتحدد المسار المستقبلي باستمرار التعبئة واتساعها، والاستجابة القابلة للقياس. أما الشلل السياسي، فقد ينتقل خارجيًا، حيث تتطلب العقوبات الأوروبية الإجماع، ويمكن لخلاف وطني واحد تعطيل موقف مشترك. لذلك، يبدأ نفوذ أوروبا من تماسكها الداخلي. والربيع الأوروبي المحتمل لن تحسمه كثافة الحشود، بل قدرة الديمقراطية على جعل تغيير الحكومة طريقًا لتغيير الحياة، قبل أن يتحول الإحباط إلى رفض لقواعدها.

سمير حمدان – بودابست

وكالة عمون الإخبارية

شارك الخبر: