غارات مصرية على مناجم الذهب السودانية: اختبار لسيادة الخرطوم وصمت البرهان


هذا الخبر بعنوان "ذهب السودان ودم المعدّنين.. غارات الحدود المصرية تختبر سيادة الخرطوم وصمت البرهان" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في حادثتين خلال أربعة أشهر، استهدفت غارات جوية مواقع تعدين أهلي قرب الحدود المصرية في السودان، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من المعدّنين. تتعدد الروايات حول حصيلة الضحايا والجهة المنفذة، وتتجدد الأسئلة حول موقع هذه المواقع بالنسبة للحدود الدولية، ودوافع القاهرة لتوسيع حملاتها العسكرية، وموقف السلطة السودانية من تحديد المسؤولية ومحاسبة المتورطين.
في العاشر من أكتوبر 2026، تحولت منطقة جبل العقيدات، قرب سوق الأنصاري في شمال الوادي، إلى ساحة موت بعد خمس ضربات جوية استهدفت موقع التعدين الأهلي. كان آلاف المعدّنين يبحثون عن الذهب في ظروف قاسية فرضتها الحرب، قبل أن يجد بعضهم أنفسهم تحت الأنقاض، بينما فر آخرون إلى الجبال المحيطة. لم تكن هذه الغارة الأولى، ففي يونيو الماضي، تعرضت المنطقة لهجمات مماثلة سقط خلالها قتلى وجرحى، تبعتها توقيفات وإبعادات لمعدّنين عبر الحدود. وبين الحادثتين، لم تُعلن نتائج تحقيق مستقلة، ولم تتضح بصورة كاملة طبيعة العمليات العسكرية وحدودها الجغرافية.
تتهم منظمات حقوقية الطيران المصري بتنفيذ الهجمات، بينما تتمسك القاهرة بأن حملاتها تستهدف فرض السيادة المصرية ومكافحة التعدين غير القانوني والتهريب داخل أراضيها. أما الخرطوم، فتواجه سؤالاً أكثر إلحاحاً: كيف تحمي مواطنيها إذا كانت مواقع عملهم تتعرض للقصف، بينما تظل المسؤولية موضع خلاف، والتحقيقات بلا نتائج معلنة؟
لا يمكن حسم الجدل بشأن سيادة الأرض بمجرد تبادل التصريحات. فالمعيار الذي ينبغي أن يبدأ منه التحقيق هو الجغرافيا: الإحداثيات الدقيقة لمواقع القصف، والخرائط المرجعية، والحدود الدولية المتفق عليها. نص الاتفاق البريطاني المصري الموقّع في 19 يناير 1899 على تعريف السودان بالأراضي الواقعة جنوب خط عرض 22 درجة شمالاً. ووفقاً لدراسة الحدود الدولية رقم 18 الصادرة عن المكتب الجغرافي بوزارة الخارجية الأمريكية في 27 يوليو 1962، يمتد خط الحدود بين البلدين نحو 792 ميلاً. وتوفر الخرائط البريطانية ضمن سلسلة “العالم 1404” (GSGS) أساساً لفحص مواقع التعدين في المنطقة.
وبحسب الإحداثيات الواردة لموقع جبل العقيدات ومنجم شمال الوادي، عند 21.82 درجة شمالاً و34.11 درجة شرقاً، يقع الموقع جنوب خط عرض 22 درجة شمالاً بنحو 0.18 درجة، أي قرابة 20 كيلومتراً داخل السودان وفق هذا المرجع. لكن الحسم النهائي يتطلب مطابقة الإحداثيات مع موقع الغارة الذي يمكن التحقق منه بصورة مستقلة، خصوصاً أن المنطقة الحدودية شهدت نزاعات تاريخية. فقد ذكرت «نيويورك تايمز» أن الموقع المستهدف يقع في ولاية نهر النيل السودانية، على مسافة تقارب 25 ميلاً من الحدود المصرية، لكنها لم تتمكن من التحقق بصورة قاطعة من الموقع الدقيق للغارات. وفي تغطية سابقة لهجمات يونيو، أوردت “الحرة” تقديراً يضع جبل العقيدات على مسافة نحو 20 كيلومتراً داخل السودان.
تعكس حصيلة ضحايا غارة أكتوبر حجم الفوضى وصعوبة الوصول إلى المنطقة النائية. فقد أعلنت منظمة “محامو الطوارئ” أن المعلومات الأولية تشير إلى مقتل 72 مدنياً، متهمة الطيران الحربي المصري باستهداف المعدّنين. وتحدث شهود نقلت عنهم هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” عن سقوط أكثر من 60 قتيلاً ونحو 150 جريحاً. وقدّر ناجون تحدثوا إلى «سودان تريبيون» عدد القتلى بما لا يقل عن 200، مع فرار أكثر من 15 ألف عامل. في المقابل، أعلنت شبكة أطباء السودان حصيلة أولية بلغت 13 قتيلاً و28 جريحاً. تظل الحاجة قائمة إلى تحقيق مستقل يحدد عدد القتلى والجرحى والمفقودين، ويكشف مصير الذين فروا من الموقع.
في أعقاب غارة أكتوبر، اتهمت منظمة “محامو الطوارئ” الطيران الحربي المصري باستهداف المعدّنين المدنيين. وعندما سألت وكالة «رويترز» مسؤولين أمنيين مصريين، برروا العمليات بضرورة إنهاء ما وصفوه بالفوضى الحدودية ومنع مجموعات مصرية وسودانية من السيطرة على مناطق التعدين. وبعد الهجوم، أعلن المتحدث العسكري المصري استمرار حملة أمنية، مشيراً إلى إلقاء منشورات تحذيرية على “العناصر الإجرامية”. وتمسكت الرواية العسكرية المصرية بأن العمليات تستهدف فرض السيادة داخل الأراضي المصرية، دون إقرار صريح بالمسؤولية عن الغارة.
وبعد هجوم أكتوبر، أمر رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق. كما أصدر مجلس السيادة بيان تعزية. لكن تشكيل لجنة لا يساوي إعلان نتائج التحقيق، والتعزية لا تجيب عن الأسئلة المتعلقة بموقع القصف وهوية الطائرات التي نفذته. ووصف مستشار البرهان، أمجد فريد، القصف بأنه جريمة غير مبررة وغير مقبولة. غير أن هذا الموقف لم يتحول، وفق المعلومات المتاحة، إلى مسار معلن ومتكامل للمساءلة يحدد المسؤولية ويضمن عدم تكرار الهجمات.
تكشف هذه الوقائع أن ما حدث في أكتوبر لم يكن تطوراً معزولاً. فقد سبقت الهجوم عمليات أمنية وتحذيرات للمعدّنين، وتوقيفات وإبعادات، وسط غموض بشأن الحدود الفعلية التي جرت عندها تلك العمليات. وفي 22 يونيو، تحدث البرهان عن ضرورة احترام حدود الجار الشمالي وعدم تجاوزها، محذراً من التسبب في مشكلات للأفراد والدولة، وذلك في وقت كانت فيه روايات المعدّنين تتحدث عن قتلى وجرحى جراء الهجمات.
لا يمكن فهم ما يجري في منطقة جبل العقيدات بمعزل عن القيمة الاقتصادية للذهب. فالمنطقة تقع ضمن نطاق غني بالموارد المعدنية، في بلد أصبح التعدين الأهلي فيه أحد مصادر الدخل الرئيسية لملايين السكان. وقدّر معهد “تشاتام هاوس” أن نحو 60% من إنتاج الذهب في الولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر يُهرّب إلى مصر، بكميات تتجاوز مئة كيلوغرام يومياً. وفي المقابل، لم تتجاوز صادرات الذهب الرسمية إلى مصر خلال عام 2024 نحو 16 مليون دولار، وفق البيانات التي أوردها التقرير. وتشير هذه الفجوة إلى حجم التحدي الذي يواجه ضبط تجارة الذهب.
وكان قد أشاد رجل الأعمال نجيب ساويرس بعملية يونيو، رابطاً إياها بثقة المستثمرين في قطاع التعدين المصري. وفي الشهر نفسه، نفت وزارة البترول المصرية تصريحات منسوبة إلى وزيرها بشأن اتفاقات لإنشاء 108 مناجم ذهب شمال السودان. ورجح الباحث محمد الهادي وجود صلة بين الهجمات وتفاهمات غير معلنة مع الحكومة السودانية، لكن ذلك يظل فرضية تحتاج إلى أدلة مستقلة.
لا يمكن فصل موقف البرهان عن طبيعة العلاقة العسكرية والسياسية بين القاهرة والقيادة السودانية. فمصر تعد الحرب في السودان مصدر تهديد أمني لدولتها، كما تدعم الجيش السوداني في سياق الصراع مع قوات الدعم السريع. وفي تقريرها عن غارة أكتوبر، نقلت «نيويورك تايمز» أدلة مصورة على ذخائر بدت مصرية الصنع، حللها خبير سابق في إبطال المتفجرات بالجيش الأمريكي، ورأى أنها تشبه قنبلة جوية مصرية من طراز «نصر 400». غير أن تحديد نوع الذخيرة لا يثبت وحده هوية الطائرة التي نفذت الغارة، ولا يغني عن تحقيق مستقل يحدد المسؤولية.
كما وثقت وكالة الصحافة الفرنسية، في تقارير سابقة عن التعاون العسكري، وجوداً متكرراً لمسيّرات تركية من طراز «بيرقدار» في قاعدة مصرية قرب السودان. وربط تحليل نشره «هورن ريفيو» في يونيو بين صمت الجيش السوداني تجاه الغارات وحاجته إلى الدعم المصري. وفي يونيو، نقلت «الحرة» عن أحد المعدّنين أن مجموعة من القوات المشتركة الموالية للحكومة انسحبت من الجبل قبل غارة بيوم، وأن الجيش السوداني لم يصل لإجلاء المصابين وجمع الجثث إلا في اليوم الثالث. وأثارت الشهادة شكوكاً لدى بعض العمال بشأن احتمال وجود تنسيق بين الحكومتين.
تعيد الغارات على مواقع التعدين فتح ملف الحدود السودانية المصرية، بما فيه نزاع حلايب وشلاتين. وتزداد أهمية الملف مع ضعف الحضور الإداري والأمني السوداني في أجزاء من المناطق الحدودية، واتساع النشاط التعديني غير المنظم، وتزايد قيمة الذهب في اقتصاد أنهكته الحرب. وقد طالبت قوى حقوقية وسياسية ونقابية بتحقيق دولي مستقل في الهجمات. كما حمّل تحالف “صمود”، بقيادة عبد الله حمدوك، الجانب المصري المسؤولية المباشرة عنها، في حين تظل الرواية المصرية متمسكة بمبررات الأمن والسيادة داخل الأراضي المصرية.
لكن حسم القضية يتطلب أكثر من تبادل الاتهامات. فالقاهرة مطالبة بتوضيح طبيعة عملياتها العسكرية، والكشف عن ملابسات سقوط المدنيين، والتعاون مع تحقيق مستقل. والخرطوم مطالبة بإعلان نتائج التحقيق الذي أمر به البرهان، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والقانونية اللازمة. أما استمرار الاكتفاء بالتعازي واللجان من دون نتائج معلنة، فيترك المواطنين أمام الخطر ذاته، ويجعل السيادة مجرد خطاب لا ينعكس على حياتهم اليومية.
في جبل العقيدات، لا يدور السؤال حول الذهب وحده، ولا حول علاقة القاهرة بالخرطوم فحسب؛ بل حول معنى أن تكون للدولة حدود وسيادة ومسؤولية عن مواطنيها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة