الوجدان السوداني يتجاوز مأساة المعدنين نحو وعي جديد بالهوية الوطنية


هذا الخبر بعنوان "وجدان سوداني تجاه الفعل المأزوم" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد حادث مقتل المعدنين السودانيين في شمال الوادي في العاشر من أكتوبر 2026 مأساة مؤلمة، لكنها كشفت عن مؤشرات إيجابية عميقة في الوجدان الجمعي للشعب السوداني. فقد تجاوزت ردود الفعل الشعبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام مجرد الحزن والفقد، لتكشف عن نمو الوعي المشترك الذي استطاع تجاوز سرديات الانقسام والكراهية التي سادت أثناء حرب 15 أبريل 2023م. لقد أدرك البعض أن الهوية الوطنية باتت على المحك في ظل الحرب العرقية الإثنية.
مثلت الأزمة المهددة لحظة مفصلية استنطقت فعل تجاوز، كبارقة أمل، لتجاوز تصنيفات الحرب وثقافة التراث الصراعي. لقد ارتقى الإحساس والشعور الجماعي نحو الكرامة الحقيقية، متجاوزًا بنية سوسيولوجيا الخوف تجاه الآخر التي أنتجتها مؤسسات داعمي الحرب. فالخوف المُصنَّع من الآخر ليس مجرد انفعال نفسي واجتماعي، بل هو بنية اجتماعية تُدار وتُستثمر بقوة السلطة كعائق أمام بناء السلام والتعايش. يتحول هذا الخوف إلى أداة لتقسيم المجتمع وتفتيته، ويُنتج عبر مؤسسات تخدم أجندات الحرب وتُغذي ثقافة الكراهية.
لقد تُرجم هذا الموقف عبر آليات إعادة التعايش الاجتماعي وقبول الآخر، في مقابل منطق الإقصاء الذي حاولت أدوات الصراع فرضه. وما حدث لم يكن مجرد رد فعل عاطفي عابر، بل كان طوق نجاة أمام أمواج صنّاع الكراهية وأدوات الحرب الثقافية والاجتماعية التي استهدفت تفكيك النسيج الوطني. تفتّقت أزمة جبل عقيدات عن مفاهيم مترابطة لدى غالبية الشعب، أبرزها (كلنا سودانيين…. الدم السوداني واحد…. حق الدهابة… وما بنخلي إخوانا)، مما مثل عتبة وجدانية هامة نحو التطور الاجتماعي وإنهاء الحرب.
إن الوجدان المشترك والهوية الواحدة ليسا بنتَ اللحظة الراهنة، بل هما رصيد تاريخي ظل حاضرًا رغم التباين الإثني والثقافي والجهوي. فقد ظل السودانيون يتشبثون بقواسم مشتركة تجمعهم، لكن هذه القواسم ظلت بحاجة ماسة إلى استراتيجية وطنية شاملة. ولن تتحقق إلا عبر سلطة مدنية ديمقراطية تُرسّخ المواطنة المتساوية، وتُدير التنوع بوصفه ثراءً، وتُفكك بنى الخوف المُصنَّع. السلطة المدنية الديمقراطية وحدها القادرة على تحويل الوجدان المشترك إلى سياسات ومؤسسات وقوانين تحمي الكرامة وتصون الحقوق.
لقد تجاوز الفعل الجماهيري الصغائر من التصنيفات المتعمدة والأهداف الفرعية المرتبطة بالمصلحة الذاتية للجماعات الهيمنة، نحو غايات وهدف أعظم تخطّى الوعي الوطني الجزئيات إلى الكل المتساند. هذا التحول يتطلب الدعم والمساندة من المؤسسات السياسية والمدنية وقادة الرأي العام، لأن تجاوز سوسيولوجيا الخوف لا يحدث تلقائيًا، بل يحتاج إلى جهد واعٍ ومستدام لبناء ثقافة السلام والتعايش.
الحاجة الآن لإعلاء قيمة كرامة المواطن والحقوق والإنسانية في مقابل المهددات الخارجية. إن السلام الحقيقي يُبنى على أنقاض سوسيولوجيا الخوف التي استنزفت الوجدان الوطني لعقود. ما تحقق في لحظة الأزمة هو رصيد وطني يجب البناء عليه، وتحويله من فعل آني وقتي إلى ممارسة مستدامة تؤسس لسلام حقيقي وتعايش مجتمعي قوي، يستند إلى الكرامة والإنسانية المشتركة. والطريق لذلك عبر سلطة مدنية ديمقراطية تُرسّخ معاني الوجدان المشترك وتُديره استراتيجيًا بالكل وللكل، وتُترجمه إلى مؤسسات وسياسات عادلة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة