السودان
سياسة

تغريدة البرهان: هل هي دعوة سلام حقيقية أم مناورة سياسية؟

التغيير١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٤:٥٦ م0 مشاهدة
تغريدة البرهان: هل هي دعوة سلام حقيقية أم مناورة سياسية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تغريدة البرهان.. سلام أم التفاف ومناورة؟" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في تحول لافت، انتقل خطاب قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، من لغة الحرب والتصعيد إلى دعوات السلام، وذلك في غضون تسعة أيام فقط. فبعد أن كان يؤكد على استعادة الأرض بالقوة وعدم التفاوض، فاجأ البرهان الجميع بتغريدة عبر منصة "إكس" (تويتر سابقاً) موجهة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معرباً فيها عن التزام السودان بجهود السلام الأمريكية واستعداده للعمل من أجل سلام عادل ودائم.

هذا التحول المفاجئ يثير تساؤلات حول دوافعه الحقيقية. هل يعكس تغيراً في القناعات أم في الحسابات السياسية؟ هل فتح البرهان باب السلام لأنه اختار طريقاً جديداً، أم لأن الطريق القديم بدأ يضيق به؟ والأهم، هل تهدف التغريدة إلى فتح نافذة للحل، أم إلى تغيير اتجاه الريح في ظل تصاعد الأسئلة الداخلية والضغوط الخارجية، وانتظار قضية المعدنين للحقيقة والمحاسبة؟

السياسة لا تغير لغتها من فراغ. الانتقال من نبرة الحسم العسكري إلى مخاطبة رئيس الولايات المتحدة بلغة السلام يحمل دلالات عميقة. وبينما لا نملك مفاتيح ما دار خلف الأبواب المغلقة، فإن مقارنة الكلام القديم بالجديد تطرح سؤالاً جوهرياً: ما الذي جعل ما كان مرفوضاً بالأمس مقبولاً اليوم؟ السلام الذي يأتي عن اقتناع مرحب به، وكذلك السلام الذي تفرضه كلفة الحرب، لكن الفرق يظهر عند الالتزام لا عند التغريد.

تُظهر التغريدة بوضوح بصمة واشنطن، من خلال الضغوط الأمريكية ومبادرات الهدنة الإنسانية والرسائل السياسية المتزايدة. البرهان، الذي واجه خلافات مع الإدارة الأمريكية، يسعى الآن لاستعادة ودها عبر بوابة السلام. السؤال هنا ليس عن حق واشنطن في الضغط، بل عن الثمن الذي دفعه السودانيون، ومدى بقاء القرار الوطني رهيناً لحسابات الخارج. إذا كانت الضغوط قد فتحت نافذة، فلتدخل منها حياة السودانيين. وإذا كانت الرسالة تهدف لاستعادة الثقة الأمريكية، فإن الثقة لا تُبنى بعبارات جميلة، بل بخطوات عملية توقف الحرب وتفتح طريق الإغاثة وتعيد السياسة لأصحابها المدنيين.

كما تبرز تساؤلات حول مواقف الدول التي كانت تسند البرهان، والتي يُقال إنها بدأت تراجع حساباتها تحت وطأة الضغط الأمريكي. هل تحركت هذه الدول فعلاً؟ وهل بدأت تضيق ذرعاً بكلفة حرب لا تنتهي، أم أن البرهان يحاول استباق تبدل محتمل في مواقفهم؟ في عالم المصالح، لا يربط الحلفاء مصائرهم إلى الأبد بحليف واحد. التاريخ يسجل أن تغير المصالح يؤدي إلى تغير اللغة، وأن ارتفاع الكلفة يدفع كل طرف لإعادة حساباته. قد لا يأتي التخلي في بيان، لكنه قد يبدأ بتبدل الشروط وانكماش المساحة التي يتحرك فيها الحليف.

أما الإسلاميون، الذين كان حضورهم السياسي والإعلامي جزءاً من مشهد الحرب، فلم يظهر حتى الآن تعليق منهم على تغريدة البرهان من المنابر والحسابات التي تتم متابعتها. هذا الصمت يلفت الانتباه، ولكنه لا يكشف ما وراء الستار. هل هو صمت موافقة، أم انتظار لنتائج ما ستؤول إليه الأمور؟ أم أنهم يفضلون ترك واجهة الكلام للبرهان، محتفظين بحرية الاعتراض إذا جاءت النتائج على غير هواهم؟ الإجابة لا تُنتزع من الصمت وحده، لكن من اعتادوا رفع الصوت دفاعاً عن الحرب لا يمكنهم جعل صمتهم خارج النقاش.

يعود السؤال إلى البرهان نفسه: من يملك قراره حين تتعارض إرادة السلام مع حسابات الحلفاء؟ تتبع مواقفه المعلنة يفتح باباً لفحص حدود استقلال قراره. فإن كان قد قرر أن السلام ضرورة، فعليه أن يؤكد ذلك بوضوح ويتحمل مسؤوليته. وإن كان يتحرك تحت ضغط الظروف، فليجعل هذا الضغط طريقاً لإنقاذ الناس، لا مجرد وسيلة لشراء الوقت. رفع راية السلام للخارج وترك الداخل غارقاً في أسئلة الحرب هو تناقض لا تعالجه البلاغة.

تأتي قضية المعدنين في قلب المعنى. المطلوب اليوم هو منع ضجيج السياسة من ابتلاع حق الضحايا. من حق الأسر أن تعرف الحقيقة، ومن واجب الدولة أن تكشف نتائج التحقيق وتحاسب المسؤولين. لا ينبغي أن تتحول رسالة إلى ترامب إلى مظلة تحجب أسئلة المواطنين، ولا أن يصبح الحديث عن السلام بديلاً عن واجب الدولة تجاه من فقدوا حياتهم. السلام الذي نريده يبدأ من احترام حياة الضحايا.

الاختبار الحقيقي يكمن في: ماذا بعد التغريدة؟ هل سيعلن البرهان موقفاً واضحاً من الهدنة؟ هل ستظهر خطوات توقف القتل وتسمح بوصول المساعدات؟ هل سيتكلم الإسلاميون بوضوح عن السلام؟ هل ستُكشف نتائج التحقيق في قضية المعدنين؟ هنا تسقط الأقنعة. الكلمات لا تُدان لمجرد أنها كلمات، لكنها لا تُمنح براءة من الحساب لمجرد أنها تحمل اسم السلام. نريد سلاماً يوقف الحرب، لا هدنة في الخطاب. نريد قراراً ينقذ السودان، لا مناورة تنقذ أصحاب القرار. ليصل أثر تغريدة البرهان إلى السودان، لا أن تظل مجرد رسالة تُرسل إلى رئيس أمريكي. ويا حلفاء الحرب، إن كنتم مع السلام، فقولوا ذلك بوضوح. أما الصمت الذي يترك البلاد معلقةً بين الحرب والتفاوض، فلا يوقف رصاصة ولا يرد غائباً.

ومضة: في يوليو 1945، خرجت بريطانيا من الحرب منتصرة، لكن الناخبين اختاروا حزب العمال بدلاً من ونستون تشرشل، لأن الانتصار في الحرب لم يكن صكاً مفتوحاً لحكم مرحلة السلام. الحرب تصنع زعيماً، أما السلام فيكشف ماذا صنع الزعيم من أجل الناس.

شارك الخبر: