السودان على شفا مجاعة: حرب وجفاف يهددان سبل العيش ويزيدان الأزمة الإنسانية


هذا الخبر بعنوان "السودان على حافة الجوع.. كيف تهدد الحرب والجفاف سبل العيش؟" نشر أولاً على موقع سودان تربيون وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل تزايد الضغوط المعيشية على الأسر السودانية، تتفاقم تداعيات الحرب وتراجع مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي. يواجه المزارعون تحديات جسيمة مرتبطة بالجفاف وشح الأمطار، بينما تشهد الأسواق تراجعاً حاداً في القدرة الشرائية للمواطنين، مما يثير مخاوف عميقة بشأن الأمن الغذائي وسبل العيش.
تتجاوز آثار الأزمة مجرد توفر الغذاء لتشمل قدرة الأسر على شرائه. فبالرغم من توفر بعض السلع في الأسواق، إلا أن ارتفاع أسعارها مقارنة بدخول المواطنين يجعل الحصول عليها أمراً بالغ الصعوبة. كما أن تعثر الموسم الزراعي في المناطق المتأثرة بالجفاف أو النزاع ينعكس سلباً على دخل الأسر الريفية، وفرص العمل الموسمية، وكميات المحاصيل المتاحة في الأسواق، مما يزيد الضغوط على المجتمعات التي تعتمد على الزراعة والتجارة الصغيرة.
في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، تؤكد كوثر سعد أن الحرب أثرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، وأضعفت قدرة العديد من الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية، في ظل تراجع الأنشطة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. وأوضحت لـ«سودان تربيون» أن الزراعة، وهي مصدر دخل أساسي لكثير من الأسر، لم تعد تحقق العائد السابق بسبب صعوبات الإنتاج وارتفاع تكاليف مدخلاته، بالإضافة إلى تأثيرات الجفاف وتراجع فرص العمل. وقد جعل تراجع دخل الأسرة توفير الغذاء والدواء ومستلزمات التعليم أكثر صعوبة، حيث تضطر الأسر إلى تقليص نفقاتها والتخلي عن بعض الاحتياجات لمواجهة أعباء الحياة اليومية. ويضع استمرار هذه الأوضاع الأسر ذات الدخل المحدود أمام خيارات صعبة، في ظل محدودية فرص العمل وغياب مصادر دخل بديلة قادرة على تعويض الخسائر منذ اندلاع الحرب.
الزراعة تحت ضغط الحرب والجفاف
لا تقتصر تداعيات الأزمة على الأسر المستهلكة، بل تمتد إلى المزارعين الذين يواجهون ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع فرص الحصول على التمويل والمدخلات الزراعية، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بالتقلبات المناخية وشح الأمطار في بعض المناطق. يقول عبد الله صالح، مزارع في غرب كردفان، إن الحرب والجفاف زادا صعوبة الاستمرار في النشاط الزراعي، مع ارتفاع أسعار الوقود والبذور ومدخلات الإنتاج، وتحديات نقل المحاصيل وتسويقها. وأضاف لـ«سودان تربيون» أن المزارعين يتحملون تكاليف إعداد الأرض وشراء البذور وتشغيل المعدات قبل اتضاح نتائج الموسم، مما يجعل تعثر الإنتاج أو فشله خسارة مباشرة قد تؤثر على قدرتهم على مواصلة الزراعة في الموسم التالي. وأشار إلى أن تراجع الإنتاج لا ينعكس على المزارعين وحدهم، بل يمتد إلى العمال الزراعيين والأسر التي تعتمد على النشاط الزراعي في توفير الغذاء والدخل، فضلاً عن تأثيراته المحتملة على إمدادات الأسواق المحلية. وحذر صالح من أن استمرار هذه الظروف قد يدفع بعض الأسر إلى التخلي عن أنشطتها الزراعية أو البحث عن مصادر دخل بديلة، في وقت تتقلص فيه الفرص الاقتصادية بفعل تداعيات الحرب.
أسواق تحت ضغط تراجع القدرة الشرائية
في ولاية الخرطوم، تتجلى انعكاسات الأزمة في حركة الأسواق، حيث يتزامن ارتفاع تكاليف المعيشة مع تراجع قدرة المواطنين على شراء احتياجاتهم الأساسية. يقول ياسين عبد الكريم، تاجر في سوق بحري، إن ارتفاع أسعار السلع وتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين أثرا سلباً على حركة البيع والشراء، مع اضطرار الأسر إلى تقليص مشترياتها والتركيز على المواد الغذائية والاحتياجات الضرورية فقط. وأوضح لـ«سودان تربيون» أن بعض الزبائن يشترون كميات أقل، بينما يتخلى آخرون عن بعض الاحتياجات بسبب محدودية الدخول، مما ينعكس مباشرة على حجم المبيعات اليومية. ويواجه التجار أيضاً ارتفاع تكاليف شراء البضائع ونقلها وتخزينها، وصعوبات توفير رأس المال اللازم لتجديد المخزون، مما يضعهم أمام معادلة صعبة بين ارتفاع تكلفة السلع ومحدودية قدرة المستهلكين على الدفع. وأكد أن المشكلة لا تتعلق بالأسعار وحدها، بل أيضاً بتراجع دخول المواطنين وفقدان بعض الأسر مصادر رزقها، مما أدى إلى تغير أنماط الاستهلاك وتوجيه الإنفاق نحو الغذاء والاحتياجات الأساسية.
وفقاً للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، فإن معدلات هطول الأمطار الأقل من المتوسط، وانخفاض رطوبة التربة، ودرجات الحرارة القياسية المرتفعة، وتراجع الكتلة الحيوية النباتية، وهي عوامل ناجمة عن تأثيرات ظاهرة النينيو، تشير إلى انتشار ظروف الجفاف في نحو نصف الأراضي الزراعية في السودان. وأشار التقرير إلى أن 64% من الأراضي الزراعية في شمال دارفور ونحو 50% في جنوب دارفور وغرب كردفان وجنوب كردفان، تُظهر ضعفاً في نمو الغطاء النباتي، فيما سجلت معظم الأراضي الزراعية في تلك المناطق عجزاً مائياً شديداً.
انخفاض في توفير الغذاء
من جانبه، أفاد حمزة حسن هارون، مسؤول الإعلام بغرفة طوارئ طويلة، بتراجع كبير في توفير الغذاء للنازحين نتيجة انخفاض مصادر التمويل والمنح المالية، مما أدى إلى تقلص عدد المطابخ الجماعية من نحو 30 إلى 40 مطبخاً إلى مطبخ واحد فقط. وأوضح لـ«سودان تربيون» أن الغرفة كانت تتلقى تمويلاً ومساعدات أسبوعية، إلا أن هذه المصادر تراجعت بشكل ملحوظ، مما أدى إلى توقف معظم المطابخ الجماعية، وتسبب في فجوة غذائية كبيرة للأسر والنازحين الذين يعتمدون على الوجبات الجاهزة والسلال الغذائية. وأشار هارون إلى أن الارتفاع المتواصل في الأسعار فاقم الصعوبات التشغيلية، حيث ارتفعت تكلفة تشغيل مطبخ جماعي لمدة 14 يوماً من نحو 3 آلاف دولار سابقاً إلى ما بين 5 آلاف و6 آلاف دولار حالياً. وتمثل الزيادة في التكاليف التشغيلية وشح التمويل تحدياً إضافياً أمام استمرار تقديم المساعدات.
استمرار الحرب سبب في الأزمة
يرى الخبير الاقتصادي عادل خلف الله أن استمرار الحرب في السودان يعني مزيداً من التدهور في سعر صرف الجنيه، الذي فقد نحو 145% من قدرته الشرائية، في ظل ثبات الأجور والمرتبات والمعاشات. وينعكس ذلك على ارتفاع أسعار السلع والخدمات، بما فيها الأدوية والعلاج، مما يجعل الحصول عليها بعيد المنال لغالبية المواطنين، لا سيما ذوي الدخل الثابت. وأضاف خلف الله لـ«سودان تربيون» أن تكاليف الإنتاج بلغت مستويات قياسية نتيجة تدهور سعر الصرف وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج والنقل والعمالة، مما أدى إلى خروج عدد من المشاريع الزراعية من الدورة الإنتاجية. وتزامن ذلك مع موجات الجفاف والتصحر وارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات هطول الأمطار، مما أسهم في انخفاض إنتاج المحاصيل بنسب تتراوح بين 27% و45%، ودفع جهات معنية بالإنذار المبكر إلى التحذير من خطر المجاعة التي تهدد حياة ملايين السودانيين.
وأشار إلى أن استمرار النزاع واستهداف الأعيان المدنية وارتفاع أعداد الضحايا بين المدنيين، بالإضافة إلى تسابق أطراف الصراع وداعميها، كلها عوامل تحد من فرص احتواء الأزمة وتقليل الخسائر البشرية. واعتبر أن السلطات القائمة لا تتخذ التدابير الكافية للحد من تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية. وأكد خلف الله أن وقف الحرب يمثل المدخل الأساسي لاتخاذ تدابير اقتصادية وإنسانية فاعلة، داعياً إلى التمهيد لذلك عبر هدنة إنسانية تتيح إيصال المساعدات وضمان حماية المدنيين.
فيما يتعلق بالأمن الغذائي، أوضح أن توفير الغذاء يرتبط مباشرة بتحقيق الأمن والاستقرار واستئناف النشاط الاقتصادي، الذي تأثرت دورته بشدة جراء الحرب، فضلاً عن اضطراب الأسواق وتعدد أنماط الأنشطة المشوهة في ظل ما وصفه بـ«اقتصاد الحرب». وحذر من أن تداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية المتفاقمة تجعل جميع ولايات السودان وفئات المجتمع عرضة لمخاطر انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية والمجاعة، مع تفاوت مستويات التعرض للخطر. وبيّن أن ولايات كردفان ودارفور والنيل الأزرق تواجه مخاطر متزايدة في ظل استمرار العمليات العسكرية وتوسع استخدام الطائرات المسيّرة. ولفت إلى أن الأطفال، لا سيما حديثي الولادة، والنساء الحوامل والأمهات وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والمصابين بالأمراض المزمنة وذوي الدخل المحدود، فضلاً عن الجرحى والمحتجزين، يعدون من أكثر الفئات هشاشة وتأثراً بنقص الغذاء وسوء التغذية.
دعا خلف الله إلى تحرك وطني عاجل يدفع أطراف الحرب إلى الدخول في مفاوضات مباشرة لوقف العمليات العسكرية، تمهيداً لهدنة إنسانية تفضي إلى وقف شامل ودائم للقتال وتحقيق سلام مستدام. وشدد على أن إنهاء الحرب يمثل أولوية وطنية وأخلاقية، داعياً القوى الرافضة للحرب وغير المنحازة لأي من أطرافها إلى ممارسة الضغوط بكل الوسائل الممكنة لدفع الأطراف المتحاربة إلى طاولة التفاوض، وتجنيب السودان وشعبه مزيداً من المخاطر الإنسانية والاقتصادية.
سياسة
اقتصاد
عاجل
سياسة