السودان
سياسة

مجزرة المعدنين: غياب السيادة في ظل قيادة تخون الوطن

التغيير١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٣:٠٨ م0 مشاهدة
مجزرة المعدنين: غياب السيادة في ظل قيادة تخون الوطن

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مجزرة المعدّنين! لا سيادة لدولة يحكمها خونة" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تُظهر حكومة (الأمل) في بورتسودان، والجنرال البرهان، وقيادة الجيش، عجزاً متكرراً عن إدانة المجزرة التي ارتكبها سلاح الطيران المصري بحق المعدنين السودانيين داخل الأراضي السودانية في 10 أكتوبر. وبدلاً من إدانة واضحة تحدد المسؤولية عن مقتل ما يصل إلى 73 مواطناً وإصابة نحو 120 آخرين، صدر بيان ضعيف لم يحدد الجهة المسؤولة مباشرة، ولم يعكس حجم الجريمة أو خطورتها على سيادة البلاد وحق مواطنيها في الحماية.

يتكرر هذا البيان مع خطاب سابق للبرهان لضحايا التعدين، حيث قال: "نحن كدولة وكحكومة بنطلب من إخواننا وأهلنا إن الناس تلتزم بالحدود، ما يمشوا عشان يجيبوا مشاكل لرقبتهم وللدولة". وكأن هؤلاء المواطنين يذهبون إلى مناطق التعدين بدافع المغامرة أو التسلية، لا بحثاً عن مصدر للعيش في بلد عجزت حكومته، بإصرارها على مواصلة الحرب، عن توفير أبسط مقومات الحياة لمواطنيها. إن التعدين بالوسائل البدائية، وما يصاحبه من انهيار المناجم، والموت عطشاً، ثم التعرض لإطلاق النار من حرس الحدود المصري، هو انعكاس لأزمة اقتصادية ومعيشية دفعت الناس إلى البحث عن سبل البقاء.

الأخطر من ذلك، أن الهجوم الأخير وقع داخل الأراضي السودانية، وتأكيد الحكومة المصرية أن منجم العقيدات، القريب من الحدود المصرية، يؤكد انتهاكاً لسيادة السودان واعتداءً على مواطنيه داخل بلادهم. هذا يستوجب موقفاً رسمياً واضحاً غير "مدغمس"! لكن عجز البرهان وقيادة الجيش عن اتخاذ هذا الموقف يؤكد أن حسابات السلطة تتقدم على كرامة الوطن. وتكشف طبيعة المصالح والامتيازات الممنوحة للشركات المصرية في الموارد السودانية، بما فيها الذهب في ظل الحرب، عن حقائق واضحة.

لطالما رفع أنصار البرهان والجيش شعار السيادة الوطنية، مبررين دعمهم بالخوف من تفكك السودان والتدخلات الخارجية. لكن مجزرة المعدنين تضع هذا الخطاب أمام تحدٍ: ما قيمة السيادة التي يتحدثون عنها إذا عجزت القيادة عن إدانة اعتداء على مواطنيها داخل حدود البلاد؟ كما تُرد مخاوف الفتنة بين الشعبين (الشقيقين) وتعريض العلاقات للخطر. فلو كانت للدولة سيادة فعلية، فإن الحفاظ على العلاقات لا يبرر الصمت عن الجرائم. ووجود سودانيين في مصر لا يجوز أن يتحول إلى ورقة لإسكات المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن قتل مواطنين في وطنهم!

الخوف من تمزق السودان وضياع دولته وسط الصراعات هو خوف مشروع. لكن السؤال هو: أي دولة نتحدث عنها، ولمن تعمل مؤسساتها؟ لقد تآكل مفهوم الدولة منذ أن تحولت مؤسساتها، في ظل نظام الإنقاذ، إلى أدوات لحماية التنظيم ومصالحه، عبر التمكين وإخضاع مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش، الذي لم يبخل بإضعاف مؤسسته بولادة مليشيات تتزايد عدداً وقوة بحسب عجز السلطة في إدارة شئون الدولة. ومنذ ذلك الحين، لم تعد حماية سيادة الوطن هي الأولوية لديهم، بل حماية السلطة ومصالح التنظيم. ولذلك، يقع وزر تفكيك الدولة وضياع هيبتها على عاتق حكومة الكيزان، بما في ذلك محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، وهي أبرز الجرائم التي لا يزال السودان يتحمل تبعاتها السياسية.

لا يمكن فصل أزمة اليوم عن تاريخ الجيش في إدارة الحروب الداخلية ضد مكونات الشعب التي طالبت بالمواطنة المتساوية، ورفع التهميش، وتحقيق العدالة. كما لا يمكن تجاوز عار مجزرة القيادة العامة في يونيو 2019، حين تعرض المعتصمون السلميون للقتل والسحل والاغتصابات، وأُلقي بعضهم في النيل وهم أحياء، في انتهاكات جسيمة ارتبطت بمسؤولية مؤسسات عسكرية وأمنية، بينها الجيش والدعم السريع. لقد كشفت تلك المجزرة أن الخطر على المواطنين يأتي أيضاً من مؤسسات يفترض أن تحميهم. لذلك، لا يجوز في حقها العصمة! بل بالأحرى مواجهتها وتعرية باطلها في أنها خانت قسم الولاء للشعب في حراسة ماله ودمه.

إن مجزرة المعدنين ليست حادثة حدودية معزولة، بل تكشف أزمة أعمق في مفهوم الدولة والسيادة. فقد ضاعت الدولة تدريجياً حين أصبح الجيش طرفاً في الصراعات على السلطة، وحين تحولت مؤسساتها إلى أدوات لحماية المصالح السياسية للكيزان، وحين صار المواطن مطالباً بالخضوع لسردية "حرب كرامة" من أجل سيادة الدولة شعاراً يُرفع للاستنفار في الحرب. فإذا ظلت القيادة العسكرية عاجزة عن تسمية المسؤول عن قتل السودانيين، بينما تطالبهم بالتضحية باسم الكرامة والسيادة، فسيظل السؤال قائماً: أي سيادة هذه التي لا تحمي أصحابها؟ وأي دولة يطلب من مواطنيها الدفاع عنها بينما تعجز عن الدفاع عنهم؟

شارك الخبر: