قيادة السودان بين أوراق الكوتشينة ودموع الشعب: استهتار بالمواطن في زمن الحرب


هذا الخبر بعنوان "الكاهن يسحب الجوكر ويجدّع الشعب بايظ" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد ساعات قليلة من كارثة شمال الوادي، فوجئنا بمشهد جديد من صاحب الترندات، وهو يستعرض أوراق الكوتشينة وسط جنود حرب الكرامة، موزعاً إياها يميناً ويساراً، تماماً كما فعل سابقاً بتوزيع حقائب ما أسماه "تصحيح المسار". وكأن البلاد لا تعيش حرباً طاحنة، وكأن أرواح السودانيين التي تُزهق يومياً لا تستحق من قيادتها سوى مزيد من الاستهتار والاستخفاف.
في نظر هذا الموزّع ومن يجلسون على طاولته، لا يوجد ما يدعو للقلق أو التوجس، فكل ما حدث هو قصف طيران مصري لمعدّنين سودانيين في شمال الوادي. لكن المفارقة الصادمة أن هؤلاء، بحسب الرواية التي يجري الترويج لها، هم تشاديون ونيجريون، لا سودانيون، رغم أن من بينهم أبناء قرى سودانية من منطقة أبو وتد بمحلية قلي في ولاية النيل الأبيض. وكأن هوية السوداني لا تُحسم بانتمائه إلى أرضه وأهله، بل بما تقتضيه الرواية السياسية التي تخدم أصحاب القرار. ولم نكن لنعلم، وفق هذا المنطق، أن بعض أبناء السودان قد أصبحوا تشاديين أو نيجريين إلا بعد أن حصدتهم الغارات القاتلة!
أيّ دولة هذه التي يصبح فيها موت المواطن مناسبة لتبادل الاتهامات والتهرب من المسؤولية؟ وأيّ سلطة هذه التي تتعامل مع أرواح أبنائها وكأنها أرقام يمكن حذفها من السجلات متى اقتضت الضرورة السياسية ذلك؟ السودان اليوم يقف على حافة منعطف بالغ الخطورة، أمام كارثة تتجاوز حدود الحرب ومآسيها إلى أزمة في معنى الدولة نفسها، وفي مسؤولية من يتولون إدارة شؤونها. فالمسؤولون الذين يفترض أن يتحركوا لحماية المواطنين والدفاع عن سيادة البلاد، لا نرى منهم ما يتناسب مع حجم المأساة. وكأن الوطن وأرضه وكرامة شعبه أصبحت أموراً قابلة للمساومة، بينما يظل المواطن البسيط هو من يدفع الثمن من دمه وأمنه ومستقبله.
لقد أصبحت الصورة أكثر وضوحاً، ولم يعد هناك مجال للاختباء خلف الشعارات. ذلك المنعطف الذي حذّرنا منه طويلاً بدأ يتجلى أمام أعيننا: أن تتحول الدولة، بفشلها وعجزها وتخليها عن مسؤولياتها، إلى طرف يترك شعبه مكشوفاً أمام الموت، ثم يعجز حتى عن الاعتراف بحجم الكارثة. أما مشهد الرئيس البرهان وهو يمارس حياته بصورة تبدو بعيدة عن حجم المأساة، في ظل الموت والجوع والمرض، فإنه يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرته على إدارة دولة تتهاوى أركانها. فبينما ينتظر السودانيون موقفاً مسؤولاً يواسي أسر الضحايا ويكشف الحقائق ويحدد المسؤوليات، تتوالى المشاهد التي توحي بأن هموم المواطن ليست في مقدمة الأولويات؛ مرة في مجالس الشاي وأكشاك العصائر، ومرة أخرى في مشاهد لعب الكوتشينة، بينما يرفع السودانيون الفراش لأبنائهم الذين سقطوا في شمال الوادي بحثاً عن لقمة العيش.
إن المأساة ليست في أوراق الكوتشينة ذاتها، بل في دلالتها السياسية والأخلاقية؛ ففي الوقت الذي يبحث فيه الناس عن إجابة لسؤال الموت، يبدو أن السلطة تبحث عن وسيلة جديدة لصناعة المشهد وتصدر الترند. وبينما تُزهق الأرواح وتُفجع الأسر، يجري التعامل مع الكارثة وكأنها تفصيل عابر في يوميات الحكم. لقد نضب فكر الكاهن، وتعطلت ماكينة عقله عن استيعاب الحقائق التي تتكشف كل يوم. يريدون إقناعنا بأن الأبيض أسود، وأن قتل السودانيين ليس نتيجة لواقع مأساوي يستوجب التحقيق والمحاسبة، بل مؤامرة تحيكها دول تريد النيل من سيادة السودان. لكن السؤال الذي لا يستطيع أحد الهروب منه هو: أين مسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها؟ وأين واجبها في كشف الحقيقة، أياً كانت الجهة التي تقف وراء الانتهاك؟
إن الحديث عن السيادة الوطنية لا يكون بترديد الشعارات، ولا بتحويل كل كارثة إلى مادة للاستهلاك السياسي والإعلامي. السيادة الحقيقية تبدأ من حماية المواطن، وصون كرامته، والدفاع عن حقه في الحياة، ومحاسبة كل من يتسبب في إهدار دمه أو يتستر على الجريمة. لقد دخل البرهان، في تقديري، مرحلة سياسية بالغة الخطورة، مرحلة قد تخرجه من دائرة المنافسة على ثقة الشعب، بعدما استُهلكت الشعارات وتآكلت الوعود. فالشعب الذي يُترك لمواجهة الموت والجوع والمرض لا يمكن أن يظل أسيراً للدعاية إلى الأبد. وحين تنكشف الفجوة بين الخطاب والواقع، لن تنفع أوراق الكوتشينة، ولن ينقذ الجوكر من احترقت أوراقه أمام أعين الناس. ومن كان ينتظر قراراً حاسماً، فعليه أن يستعد لانتظار طويل، ما لم تتحول المسؤولية من مجرد كلمات إلى أفعال. فالدماء التي أُريقت في شمال الوادي لا يجوز أن تُدفن تحت ركام الصمت، ولا أن تُباع بوعود رخيصة أو تسويات غامضة. ومن ينتظر الشجب والإدانة، فليتأمل طويلاً في معاناة أسر الشهداء، وفي ذاكرة أسر ضحايا فض الاعتصام، الذين ما زالوا ينتظرون عدالة لم تكتمل.
اليوم، هناك شعب ينتظر، وأسر تبحث عن الحقيقة، ومواطنون يريدون أن يعرفوا لماذا أصبح الموت أقرب إليهم من أبسط حقوق الحياة. وفي المقابل، تتكرر الوعود الكاذبة على ألسنة النافخين في نار الحرب والمنتفعين من استمرارها، أولئك الذين جعلوا من معاناة السودانيين سلّماً للشهرة والنفوذ ومراكمة المصالح. في السودان، يموت الشعب، بينما تعجز السلطة عن تقديم ما يثبت أنها تضع حياته فوق حساباتها السياسية. سلطة تغرّد خارج أولويات الدولة، وتبدو قراراتها محكومة بتوازنات وضغوط تتجاوز إرادة المواطنين، حتى أصبح الصمت أمام المآسي سؤالاً قائماً بذاته، لا يقل خطورة عن المأساة نفسها. وإذا كانت هناك جهات خارجية تمارس ضغوطاً أو تتدخل في القرار السوداني، فإن الواجب الوطني يقتضي كشف ذلك بالأدلة، لا الاكتفاء بالشعارات. أما أن تُترك دماء السودانيين بلا إجابات، وأن تُعامل معاناتهم كأنها تفصيل هامشي، فذلك هو الخطر الحقيقي على الدولة وسيادتها. إن السودان لا يحتاج إلى كاهن يسحب الجوكر، ولا إلى لاعب بارع في توزيع الأوراق، بل يحتاج إلى قيادة تدرك أن أرواح المواطنين ليست أوراقاً على طاولة المساومة، وأن الوطن ليس لعبة يمكن التحكم في نتائجها من خلف الستار. لقد تعب الشعب من الشعارات، وملّ الوعود، وضاق ذرعاً بمن يتاجرون بدمائه. وما لم تصبح حماية المواطن أولوية لا تعلو عليها أولوية، فستظل كل أوراق السلطة خاسرة، وسيبقى الجوكر عاجزاً عن إنقاذ من فقد ثقة الشعب.
سياسة
اقتصاد
سياسة
اقتصاد