أزمة الطاقة العالمية: اختناقات الإمدادات تهدد الاقتصاد العالمي ومسارات العبور تحت الضغط


هذا الخبر بعنوان "أزمة الطاقة العالمية: اختناقات الإمدادات ومسارات العبور" نشر أولاً على موقع النيلين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد الوضع الراهن في أسواق الطاقة العالمية مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار النفط، بل تطور إلى أزمة شاملة تكشف عن نقاط ضعف منظومة الإمداد بأكملها. تكمن المشكلة الحالية ليس في نقص الموارد، بل في القدرة على نقلها، تكريرها، وإيصالها إلى الأسواق بالسرعة والتكلفة المناسبتين. عندما تتعرض الممرات الملاحية، المصافي، سلاسل الشحن، والمخزونات لضغوط متزامنة، تنتقل الصدمة بسرعة من قطاع الطاقة إلى قطاعات النقل، الصناعة، الغذاء، والتضخم.
تُظهر المقارنات التاريخية حجم هذا التحول. فقد وصف تقرير لوكالة الطاقة الدولية الاضطراب المرتبط بمضيق هرمز بأنه الأكبر في تاريخ سوق النفط من حيث حجم الإمدادات المتأثرة، متجاوزاً أزمة عام 1973. إلا أن الأزمة الحالية أكثر تعقيداً، فهي لا تقتصر على النفط الخام، بل تمتد لتشمل المنتجات المكررة، الغاز، والنقل البحري، مما يجعل استعادة التوازن أمراً صعباً حتى مع عودة جزئية للإنتاج أو حركة الناقلات.
من أبرز المؤشرات على ذلك، الاتفاق الذي تم الإعلان عنه في 9 تشرين الأول 2026، والذي يقضي بتوفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل الروسي بشكل فوري، مع كميات إضافية لاحقاً. لا تكمن أهمية هذه الخطوة في حجم الوقود فحسب، بل في دلالتها السياسية؛ إذ دفعت الحاجة الملحة للديزل واشنطن إلى تخفيف بعض القيود المفروضة على الوقود الروسي. يعكس هذا الضغط الكبير على أسواق المنتجات المكررة، وأن أمن الإمدادات قد يعيد ترتيب الأولويات عندما تضيق الخيارات المتاحة.
لكن الأزمة الأعمق لا تقتصر على النفط الخام. تشير تقديرات مسؤولين في قطاع الطاقة إلى وجود عجز عالمي كبير في المنتجات المكررة، بالتزامن مع سحب واسع من المخزونات التي يُفترض أن تعمل كخط دفاع في أوقات الأزمات. هذا يعني أن العالم لا يستهلك الطاقة فحسب، بل يستهلك أيضاً جزءاً من هامش الأمان الذي يحميه. ولهذا، لجأت وكالة الطاقة الدولية والدول الأعضاء إلى الإفراج عن كميات كبيرة من الاحتياطيات، مع إعطاء الأولوية للديزل.
في مضيق هرمز، تتجلى المشكلة بوضوح أكبر. فقد تحسنت صادرات النفط الخام الخليجية نسبياً، لكن تدفقات الوقود المكرر ظلت أكثر عرضة للضغوط، في حين ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين. هذا يوضح أن عودة الناقلات لا تعني بالضرورة عودة السوق إلى وضعه الطبيعي؛ فقد ينتقل مركز الاختناق من حقول الإنتاج إلى المصافي، أو من المصافي إلى الناقلات، أو من الناقلات إلى الممرات الملاحية.
يزداد المشهد تعقيداً عند البحر الأحمر وباب المندب. فعندما يتعرض مضيق هرمز للضغط، تزداد أهمية خطوط الأنابيب والموانئ البديلة، لكن هذه المسارات ليست بلا حدود وليست محصنة ضد المخاطر. كما أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالنفط وحده، إذ امتد تأثيرها إلى تجارة الغاز الطبيعي المسال. وهنا يصبح أمن الطاقة مسألة مرتبطة بعدد المسارات المتاحة، وقدرتها على العمل تحت الضغط، وليس فقط بحجم الإنتاج.
تعيد هذه التطورات صياغة مفهوم أمن الطاقة نفسه. لسنوات طويلة، اعتمدت الأسواق على خفض المخزونات، وتقليل التكاليف، وضمان وصول الإمدادات في الوقت المناسب. أما المرحلة الحالية، فتتجه نحو منطق مختلف: مخزونات أكبر، ومصادر أكثر تنوعاً، وطرق تصدير بديلة، وطاقة تكرير احتياطية. أي أن الأولوية تتحول تدريجياً من البحث عن الإمداد الأرخص إلى ضمان الإمداد الأكثر أمناً ومرونة.
لا يقتصر الأثر على قطاع الطاقة. فارتفاع أسعار الديزل يرفع تكاليف النقل، الزراعة، والصناعة، ثم ينتقل إلى أسعار الغذاء والسلع والخدمات. وبالنسبة لدولة مستوردة للطاقة مثل الأردن، فإن الدرس لا يقتصر على متابعة سعر برنت، بل يشمل تنويع مصادر التوريد، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتسريع الاعتماد على المصادر المحلية والمتجددة، ومراجعة البدائل اللوجستية قبل أن تتحول الأزمة الخارجية إلى ضغط داخلي.
ما تكشفه الأزمة الحالية هو أن العالم قد يمتلك موارد كافية، لكنه لا يمتلك دائماً ضماناً لوصولها. والخطر الحقيقي يظهر عندما تتعرض عدة حلقات للضغط في الوقت نفسه: ممر بحري، مصفاة، خط أنابيب، أساطيل شحن، ومخزونات متراجعة. لذلك، لن يُقاس أمن الطاقة مستقبلاً بحجم الإنتاج والاحتياطيات فقط، بل بقدرة الدول على تنويع مصادرها ومساراتها والاستعداد للصدمات قبل وقوعها. وهنا يكمن جوهر الأزمة الجديدة: الموارد موجودة، لكن الوصول إليها أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن الاقتصادي نفسه. د. حمد الكساسبة – وكالة عمون الإخبارية
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد