أموال الإسلاميين السودانيين في ماليزيا: من عائدات النفط إلى مطاردة العقوبات الأمريكية


هذا الخبر بعنوان "أموال الإسلاميين السودانيين في ماليزيا.. من عائدات النفط إلى مطاردة العقوبات الأمريكية" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد أكثر من عقدين، يعود ملف أموال الإسلاميين السودانيين إلى الواجهة، في ظل حرب مدمرة اندلعت في أبريل 2023، وتصاعد الحديث عن دور الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالحركة الإسلامية والنظام السابق في توفير الموارد المالية واللوجستية لاستمرار القتال في السودان. اكتسب الملف بعداً إضافياً عقب تصنيف الولايات المتحدة الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية وفرض عقوبات عليها في مارس 2026، بما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مصير الأصول والشركات والشبكات المالية المرتبطة بها خارج السودان.
لم تكن الطفرة النفطية التي شهدها السودان منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي مجرد تحول في مصادر إيرادات الدولة، بل تزامنت مع توسع شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والتجارية للإخوان المسلمين المرتبطة بمراكز السلطة والنفوذ خلال حكم نظام الرئيس المعزول عمر البشير. وفي وقت كانت البلاد تدخل مرحلة جديدة من تدفق عائدات النفط، كانت استثمارات سودانية تتوسع خارج الحدود، وفي مقدمة الوجهات التي برزت في هذا السياق ماليزيا.
من أبرز الأرقام التي أعادت فتح هذا الملف تقديرات البروفيسور هاشم محجوب، المصرفي والأكاديمي السوداني، الذي تحدث عن وصول حجم الاستثمارات السودانية في ماليزيا إلى نحو 42 مليار دولار بحلول عام 2007، بما يعادل، وفق تقديراته، نحو 16% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في البلاد آنذاك. ويستند محجوب في حديثه إلى دراسة ميدانية أشرف عليها خلال فترة عمله في ماليزيا بين عامي 1998 و2008، وهي فترة تزامنت مع بداية تصدير النفط السوداني وتزايد الإيرادات المتدفقة إلى البلاد. ويقول إن الدراسة رصدت استثمارات في قطاعات المصارف وسوق الأوراق المالية والتجارة والسياحة، إلى جانب شراكات مع شركات دولية.
ويربط محجوب بين توسع هذه الاستثمارات وتدفق عائدات النفط، مشيراً إلى أن جزءاً من الإيرادات لم يكن يمر عبر القنوات الرسمية للدولة، بل اتجه إلى استثمارات خارجية عبر شبكات ارتبطت بدوائر النظام الحاكم “الإخوان المسلمون” آنذاك. كما تحدث عن وصول أعداد من رجال الأعمال السودانيين المقربين من مراكز السلطة إلى ماليزيا، بالتزامن مع حركة الوفود الرسمية والزيارات المتبادلة. ونوه محجوب إلى أن تقديراته لا تشمل الودائع المصرفية والعقارات وأصولا مالية أخرى، الأمر الذي يطرح أسئلة بشأن الحجم الكلي المحتمل للأموال السودانية في الخارج. وفي إفادة أخرى، تحدث المصرفي السوداني محمد عصمت في لقاء مصور عن أموال كبيرة لرموز النظام السابق في الخارج، مقدماً تقديرات تصل إلى نحو 64 مليار دولار.
لم تكن العلاقة بين السودان وماليزيا في عهد الإنقاذ علاقة تجارية عادية، فقد اكتسبت بعداً سياسياً ودبلوماسياً واضحاً منذ السنوات الأولى لانقلاب الإخوان المسلمين عام 1989، في ظل تقارب بين حكومة الخرطوم بقيادة الحركة الإسلامية والحكومة الماليزية في عهد رئيس الوزراء مهاتير محمد. ولم يكن هذا التقارب منفصلاً عن التحولات التي شهدها الاقتصاد السوداني. فقد تزامنت السنوات الأولى من العلاقة مع توسع نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، ثم جاءت الطفرة النفطية لتوفر موارد مالية ضخمة، في ظل نظام اقتصادي اعتمد بصورة متزايدة على شبكات الامتيازات والتمكين وتداخل المصالح بين السلطة والقطاع الخاص.
لم تكن علاقة نظام الإنقاذ بحركة حماس مجرد تقارب سياسي عابر، بل جاءت ضمن شبكة أوسع من العلاقات بين الحركة الإسلامية السودانية والتنظيمات الإسلامية في المنطقة، في مرحلة سعى فيها النظام السابق إلى بناء تحالفات إقليمية تستند إلى التقارب الأيديولوجي والسياسي. وشهدت الخرطوم خلال سنوات حكم البشير استضافة قيادات بارزة في حماس، من بينهم خالد مشعل وإسماعيل هنية ومحمود الزهار وموسى أبو مرزوق، كما احتضنت لقاءات ومؤتمرات شارك فيها قادة الحركة الفلسطينية، في إطار علاقة اتسمت بالتقارب السياسي والتنظيمي. ويبرز رجل الأعمال السوداني عبدالباسط حمزة باعتباره إحدى أهم الشخصيات التي يمكن من خلالها تتبع تقاطع المصالح المالية السودانية مع شبكات الاستثمار الخارجية المرتبطة بحماس. وفرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه في أكتوبر 2023، واصفة إياه بأنه ممول سوداني لحماس، وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إنه أدار شركات ضمن المحفظة الاستثمارية للحركة، وشارك في تحويل نحو 20 مليون دولار إليها. كما أدرجت شركات مرتبطة به، من بينها “زوايا للتنمية والاستثمار” و”لاريكوم للاستثمار”، على قائمة العقوبات. كما كشفت تحقيقات استقصائية دولية، استندت إلى وثائق مسربة، عن مصالح تجارية لحمزة في أوروبا وقبرص ومصر، من بينها حصص في شركة قبرصية مرتبطة بامتيازات تعدين الذهب في مصر، وشركة عقارية في إسبانيا.
بعد سقوط نظام البشير في أبريل 2019، لم تختفِ الشبكات الاقتصادية التي تشكلت خلال سنوات حكمه، فالأصول والشركات والعلاقات التجارية التي بنيت على مدى عقود استمرت بعد زوال النظام السياسي الذي نشأت في ظله، وتكيفت مع التحولات الجديدة وأعادت ترتيب مواقعها داخل الاقتصاد. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبحت أموال الإسلاميين مصدر مهم من مصادر تمويل العمليات العسكرية وأحد المفاتيح الأساسية لمواصلة القتال. ولم تعد الحرب تعتمد على الموارد المحلية وحدها، بل ارتبطت بشبكات عابرة للحدود تتداخل فيها تجارة الذهب والشركات والتسهيلات المصرفية والتمويل الخارجي وشراء المعدات والإمدادات.
في مارس 2026، أعلنت الولايات المتحدة تصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية أجنبية، إلى جانب إدراجها ضمن قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص. ويمثل القرار تطوراً مهماً في التعامل الأمريكي مع الحركة وشبكاتها، بعد عقوبات سابقة طالت شخصيات وكيانات إسلامية مرتبطة بالنظام السابق. وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت في سبتمبر 2025 عقوبات على شخصيات وكيانات إسلامية سودانية، بينها جبريل إبراهيم ولواء البراء بن مالك، في سياق اتهامات أمريكية تتعلق بدور عناصر إسلامية في تقويض الانتقال السياسي ودعم استمرار الحرب، فضلاً عن علاقات مع إيران. وتتجاوز أهمية التصنيف الأمريكي الجانب السياسي؛ إذ يمكن أن تترتب عليه آثار مالية مباشرة على الأشخاص والكيانات المدرجة، بما يشمل تجميد ممتلكاتهم ومصالحهم الواقعة ضمن الولاية القضائية الأمريكية، وحظر تعامل الأشخاص الأمريكيين معهم، فضلاً عن مخاطر كبيرة قد تواجه المؤسسات المالية التي تدخل في معاملات محظورة أو تتعامل مع كيانات خاضعة للعقوبات.
على الرغم من تعدد الإفادات والتقديرات بشأن الأموال السودانية في ماليزيا، لا يزال الملف يكتنفه الغموض بشأن سجلات الشركات والاستثمارات والملكية العقارية والبيانات المصرفية المتاحة قانوناً. ويصبح من المهم الحصول على توضيحات من السلطات الماليزية والجهات الرقابية والمصارف المعنية بشأن وجود تحقيقات أو إجراءات تتصل بالأموال السودانية المشمولة بالعقوبات الأمريكية. وتكتسب القضية أهمية إضافية عند مقارنة هذه الاستثمارات بشبكات أخرى ظهرت في ملفات العقوبات وتمويل حماس، مثل شركات عبدالباسط حمزة، أو شبكات التسليح التي كشفت عنها قضية الإمارات. ولا تنحصر أهمية هذا القضية في استعادة صورة عن حجم الأموال التي خرجت من السودان خلال سنوات الطفرة النفطية، بل في معرفة ما إذا كانت شبكات الثروة والنفوذ التي تشكلت في عهد الإنقاذ لا تزال تحتفظ بقدرتها على الحركة والتأثير، وما إذا كانت بعض امتداداتها قد أصبحت مورداً من موارد الحرب الحالية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد