المياه أولاً: إدارة الندرة لبناء أمن مائي يحمي الاقتصاد الأردني


هذا الخبر بعنوان "المياه أولاً .. إدارة الندرة وبناء أمن مائي يحمي الاقتصاد" نشر أولاً على موقع النيلين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عندما أكد جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش على أهمية المياه ثلاث مرات، كانت الرسالة واضحة: لم تعد المياه مجرد ملف خدمي، بل أصبحت قضية أمن وطني واستقرار اقتصادي. يرتبط الماء ارتباطاً وثيقاً بالغذاء، الزراعة، الصناعة، والاستثمار، وأي ضغط على موارده ينعكس سلباً على الاقتصاد والمجتمع. من هنا، تنبع أهمية البناء على ما تحقق، وتسريع المشاريع القائمة، وتوسيع الحلول التي تمكّن المملكة من إدارة ندرة المياه بكفاءة أكبر.
إن الأمن المائي لا يُبنى على مصدر واحد، بل على منظومة متكاملة تجمع بين زيادة الإمداد، خفض الفاقد، كفاءة الاستخدام، الحصاد، إعادة الاستخدام، وحماية الحقوق المائية. وتستند المملكة في هذا الإطار إلى مجموعة من المشاريع والبرامج التي تعزز أمنها المائي، أبرزها مشروع الناقل الوطني، بالإضافة إلى جهود خفض الفاقد، والتوسع في إعادة استخدام المياه، وتطوير منظومة الحصاد المائي. تزداد قيمة هذه المسارات كلما تكاملت ضمن منظومة واحدة ترفع كفاءة استخدام الموارد وتحقق أفضل عائد ممكن من كل متر مكعب متاح.
مع بداية فصل الشتاء، تبرز أهمية مواصلة تعزيز جاهزية منشآت الحصاد للاستفادة من الحالات المطرية. يمتلك الأردن شبكة من السدود، الحفائر، البرك، والحواجز، ويمكن البناء على هذه البنية التحتية من خلال برامج الصيانة الدورية، إدارة الرسوبيات ومجاري التجميع، والتوسع المدروس في المواقع الجديدة التي تثبت الدراسات جدواها. فبعض أمطار المملكة تهطل خلال منخفضات قوية وفي فترات قصيرة، وكلما ارتفعت جاهزية منظومة الحصاد، زادت قدرتنا على الاستفادة من المياه المتاحة في وقتها. يمكن توسيع مفهوم الجاهزية المائية قبل كل موسم مطري ليشمل ليس فقط عدد منشآت الحصاد، بل قدرتها الفعلية على استقبال المياه وتخزينها، والمواقع التي يمكن تحسين الاستفادة من الجريان فيها. ويمكن أن يمتد الحصاد ليشمل المزارع، المصانع، المدارس، الجامعات، المباني العامة، وكذلك المباني الجديدة، إلى جانب تغذية المياه الجوفية في المواقع الملائمة. الفكرة ليست إنشاء منشأة في كل مكان، بل اختيار الحل الأنسب وفقاً للجدوى، الكلفة، والحاجة.
لا تكتمل منظومة الأمن المائي دون حماية حقوق الأردن في المياه المشتركة، خصوصاً في الشمال وحوض نهر اليرموك، مع استمرار التعاون مع دول الجوار وفق الاتفاقيات القائمة وبما يحفظ مصالح المملكة. في بلد محدود الموارد المائية، تصبح إدارة كل مصدر جزءاً من معادلة متكاملة: ما نستطيع تحليته نحليه، وما نستطيع حصاده نحصده، وما يمكن توفيره من الفاقد نوفره، وما يمكن إعادة استخدامه نعيده، وما لنا من حقوق مائية نحافظ عليها.
لهذه المعادلة قيمة اقتصادية مباشرة. فكل كمية من المياه نوفرها من خفض الفاقد، أو نضيفها من الحصاد وإعادة الاستخدام، تقلل الضغط على المصادر الأعلى كلفة. فيما يمنح استقرار التزويد قطاعات الزراعة، الصناعة، السياحة، والاستثمار قدرة أكبر على التخطيط والنمو. في الزراعة، تبقى التكنولوجيا جزءاً أساسياً من المعادلة؛ فالري الذكي، والاستشعار عن بُعد، واختيار المحاصيل الأعلى إنتاجية وقيمة مقابل المياه المستخدمة، يمكن أن يرفع إنتاجية المياه والعائد الاقتصادي من كل متر مكعب، ويربط الأمن المائي بصورة أوثق بالأمن الغذائي.
من هنا، تبرز أهمية النظر إلى مصادر المياه ضمن محفظة واحدة، تُقارن فيها كلفة المتر المكعب، موثوقية كل مصدر، سرعة توفيره، وأثره الاقتصادي. المسارات المختلفة للأمن المائي يجب أن تعمل بصورة متكاملة، لا كبدائل متنافسة. يساعد هذا النهج على توجيه الاستثمار نحو الخيارات الأكثر جدوى، مع توسيع مشاركة القطاع الخاص، المزارعين، المؤسسات، والمجتمع، دون أن يحل ذلك محل المشاريع الاستراتيجية الكبرى.
لقد قطع الأردن خطوات مهمة في مواجهة تحدي المياه، وتكمن الفرصة اليوم في تعظيم أثر ما تحقق، وتسريع المشاريع القائمة، وإبقاء المجال مفتوحاً أمام حلول جديدة تثبت جدواها. ففي بلد محدود المياه، لا تُقاس متانة الأمن المائي بحجم الموارد وحده، بل بكفاءة إدارة كل متر مكعب. وكل متر نوفره من الفاقد، أو نحصده من المطر، أو نعيد استخدامه، أو نحافظ على حقنا فيه، يقلل كلفة المستقبل ويعزز قدرة الاقتصاد على الصمود والنمو. وهنا يمكن لإدارة الندرة أن تتحول من عبء تفرضه الجغرافيا إلى عنصر قوة تصنعه الإدارة. (د. حمد الكساسبة – وكالة عمون الإخبارية)
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد