تنويه
هذا الخبر بعنوان "من السقوط إلى الوقوف من جديد: حكايات من المستشفى والتأهيل" نشر أولاً على موقع سودان تربيون وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أكتب هذه السطور اليوم السبت 31 أكتوبر من البيت، بعد خمسة أسابيع بالتمام والكمال منذ دخولي قسم الطوارئ في مستشفى Sunnybrook صباح 23 سبتمبر، ومروري بجراحة عاجلة في العمود الفقري، ثم الإقامة في المستشفى، ثم قرابة أربعة أسابيع من التأهيل في St. John’s Rehab، عدت أخيراً اليوم، الجمعة 30 أكتوبر، إلى البيت. والمفارقة أنني أكتب الآن وأنا جالس على الكرسي نفسه في الـbasement، على بعد خطوات قليلة من آخر درجة في السلم التي بدأت منها هذه الرحلة كلها! لكن قبل أن أحكي بقية القصة، لا بد أن أبدأ بالشكر. عندما كتبت في 29 سبتمبر، بعد أيام قليلة فقط من العملية، خاطرتي التي حملت عنوان *”أقدار الله: من مظهر جديد للوجه إلى مظهر جديد للظهر”*، لم أكن أتوقع حجم الاهتمام الذي ستلقاه. تجاوز عدد المشاهدات أكثر من تسعة وعشرين ألفاً، وجاءني قرابة الستمائة تعليق، فضلاً عن الرسائل والاتصالات والزيارات والسؤال المتواصل عني، مباشرة أو عبر رفيقة دربي، زينب، من الأصدقاء والصديقات والأهل والمعارف والمتابعين والمتابعات، ومن أناس لم أر بعضهم منذ سنوات، بل ومن آخرين لا أعرفهم شخصياً. ولم أستطع، بطبيعة الحال، أن أرد على هذا الكم الهائل من المحبة فرداً فرداً. لذلك أرجو أن تصل هذه الكلمات إلى الجميع: وصلني اهتمامكم، وقرأت ما استطعت من رسائلكم وتعليقاتكم، وكان لكل سؤال ودعاء وكلمة طيبة أثر عميق في نفسي. في المقال الأول رويت قصة وصولي إلى تورونتو من القاهرة، ثم سقوطي بعد نحو سبع ساعات فقط من الوصول على آخر درجات سلم الـbasement، والكسور التي ترتبت على ذلك، والجراحة العاجلة لتثبيت الفقرات، واليومين اللذين أمضيتهما على نقالة في قسم الطوارئ، ثم يومين آخرين في غرفة الإفاقة حتى توفر لي سرير في أحد أجنحة المستشفى. ولا أريد أن أعيد هنا ما حكيته يومها. لكنني كنت قد أشرت في ذلك المقال، بشيء من المزاح والجد معاً، إلى ما أسميته *”سياسة المستشفى”*، وقلت إن ما رأيته بعين المريض وعين “المراقب المشارك” ربما يستحق حكاية أخرى في وقت لاحق. لم أكن أعرف وقتها أنني لم أشاهد إلا الفصل الأول. فالأسابيع التي تلت كشفت لي عالماً كاملاً من الأدوار والصلاحيات والعلاقات بين المهن المختلفة داخل المستشفى، ومن ضغط الاسِرَّة والموارد المحدودة، ومن سؤال يبدو بسيطاً لكنه ليس كذلك على الإطلاق: *من يقرر أن المريض أصبح جاهزاً للعودة إلى البيت؟* بدأت ملاحظتي لهذا العالم منذ غرفة الإفاقة نفسها. فقد خرجت من العملية قرب منتصف ليلة الخميس 24 سبتمبر. وفي العادة، كما فهمت، يبقى المريض في غرفة الإفاقة فترة قصيرة حتى يستعيد وعيه من التخدير، وتستقر علاماته الحيوية، ثم يعود إلى الغرفة التي جاء منها. لكن مشكلتي كانت أنني لم آتِ من غرفة أصلاً! فكنت قد أمضيت يومين على نقالة في الطوارئ، وانتقلت منها مباشرة إلى غرفة العمليات. ولذلك لم تكن هناك غرفة أعود إليها بعد العملية. وهكذا بقيت في غرفة الإفاقة من قرب منتصف ليلة الخميس إلى بعد ظهر السبت 26 سبتمبر، لا لأنني احتجت إلى يومين كاملين حتى أفيق من البنج، وإنما لأن المستشفى كان يبحث لي عن سرير. وهنا بدأت أكتشف، بصورة عملية، أن السرير نفسه مورد ثمين داخل المستشفى. هناك مرضى يدخلون باستمرار، وأسرة محدودة، وكل سرير مطلوب لمريض آخر ينتظر في مكان ما. وهذا العامل، الذي لا يراه المريض عادة من الخارج، سيظهر لاحقاً في أكثر من مرحلة من حكايتي. لكن اكتشافي الأهم في غرفة الإفاقة كان *الممرضة*. فالممرضة في النظام الصحي الذي رأيته هنا ليست مجرد شخص يتلقى تعليمات الطبيب وينفذها. هي صاحبة مهنة مستقلة، لها نطاق مسؤولية وحكم مهني خاص بها داخل الفريق الصحي. وتزداد هذه المكانة وضوحاً عند الممرضات ذوات الخبرة والمكانة الواضحة داخل الوحدة، إذ يشاركن في متابعة احتياجات المرضى، وتنظيم الرعاية، ومساندة بقية الطاقم في اتخاذ القرارات وحل المشكلات. فهي، بحكم وجودها المستمر إلى جانب المريض، ترى أشياء قد لا يراها الطبيب في زيارته القصيرة: كيف ينام، ويتحرك، ويستجيب للألم والعلاج، وما الذي يتغير في حالته من ساعة إلى أخرى. ولذلك لا تقوم العلاقة بينها وبين الطبيب، في هذا النظام، على مجرد التبعية، وإنما على العمل ضمن فريق متعدد التخصصات، لكل عضو فيه معرفته ومسؤوليته وصوته في القرار. وهذا ما بدأت أراه عملياً، لا نظرياً، خلال اليومين اللذين أمضيتهما في غرفة الإفاقة، وخصوصاً مع ممرضة من أصل نيجيري اسمها Goal، كانت ذات خبرة ومكانة واضحة، وأولتني عناية خاصة. وبسبب طول إقامتي في غرفة الإفاقة وطبيعة الكسور في ظهري، وجدت Goal نفسها لا تقوم فقط بعمل الممرضة، بل بشيء من عمل أخصائي العلاج الطبيعي أيضاً! كانت تساعدني على الحركة، وتجعلني أحاول الوقوف، وتراقب قدرتي على التحرك، وترى أن الوقت قد حان لكي يبدأ التأهيل الحركي بصورة جدية. وكانت تعرف أن بقائي في غرفة الإفاقة يعطل ذلك. فهكذا أصبحت معركة العثور على سرير بالنسبة لي أكثر من مجرد الانتقال من مكان إلى آخر؛ أصبحت شرطاً للانتقال إلى مرحلة أخرى من التعافي. وأخيراً ظهر السرير بعد ظهر السبت، وانتقلت إلى جناح المستشفى. لكن أخصائيي العلاج الطبيعي لم يظهروا إلا يوم الثلاثاء 30 سبتمبر. جاء اثنان منهم، وأجريا معي أول تقييم عملي للحركة مشينا في الممر، ثم تدربنا على صعود السلم ونزوله خطوة خطوة. وفي اليوم التالي عاد أحدهما وكرر معي التمارين. وعندما انتهينا وعدنا إلى الغرفة، قال لي: *”أنت تمشي جيداً، لكن عندك مشكلة في التوازن”*. فسألته: *”طيب، وما الخطة إذن؟”* كنت أتصور، بمنطقي البسيط، أن الإجابة ستكون: المزيد من التمارين حتى يتحسن التوازن. لكن الإجابة كانت: *”تخرج إلى البيت غداً”*، على أن نعد لك برنامج تمارين علاج طبيعي في البيت بواسطة أحد الأخصائيين، طالما معك زوجتك إن تطلب الأمر مساعدة جسدية. استغربت. وقلت له: إذا كان تقييمك أنت نفسه أنني أمشي جيداً لكن عندي مشكلة في التوازن، فهذا هو بالضبط السبب الذي يجعلني أشعر أنني لست جاهزاً للعودة إلى البيت. فالبيت صغير، وفيه سلّمان، والسقوط الذي جاء بي إلى هنا حدث أصلاً على أحدهما. فقلت إنني أريد أن أتشاور مع الدكتور Wilson، جراح العمود الفقري الذي أجرى لي العملية، وهو الطبيب الذي أعرفه في المستشفى. وهنا دخلنا فجأة إلى قلب “سياسة المستشفى”. قال لي، بنبرة حادة بعض الشيء: *”نحن أخصائيو العلاج الطبيعي الذين نقيّم حالة الحركة ونقرر بشأن الخروج. الجراح الدكتور ويلسون لا علاقة له بهذا القرار”*. قلت له إنني لا أعرف، ولا أريد أن أدخل، في توزيع السلطات والصلاحيات بين الجراحين وأخصائيي العلاج الطبيعي داخل المستشفى! لكن الدكتور ويلسون هو الذي أجرى لي العملية، وهو طبيبي، ومن الطبيعي أن أطلب رأيه قبل أن أعود إلى البيت. وللمفارقة، كان الدكتور ويلسون قد زارني في غرفتي قبل ذلك بيوم. وكنت وقتها قد ترجمت إلى الإنجليزية المقال الأول الذي كتبته عن التجربة. قرأه وأبدى سعادته به، وطلبت منه بريده الإلكتروني حتى أرسل إليه النص ليشاركه، إذا أراد، مع العاملين في المستشفى. وفجأة أصبح البريد الإلكتروني مفيداً لغرض آخر أيضاً! فبعد نقاشي مع أخصائي العلاج الطبيعي، أرسلت إلى الدكتور ويلسون المقال، وأضفت إليه رسالة أوضحت فيها أنني لا أشعر بالأمان إذا خرجت مباشرة إلى البيت، وأن مشكلة التوازن ما زالت قائمة، وأن اعتمادي على زينب في الحركة قد يعرضنا نحن الاثنين للسقوط. وطلبت منه تحديداً أن يدعم تحويلي إلى برنامج التأهيل الداخلي في St. John’s Rehab. كنت أريد مرحلة وسطى بين الجراحة والبيت: مكاناً أستطيع فيه أن أتدرب يومياً حتى أستعيد قدراً معقولاً من التوازن والقوة والثقة في الحركة. وبالفعل تغيرت الخطة. ويبدو أن فريق العلاج الطبيعي لم يكن في قمة السعادة بذلك اليوم! وهنا بدأت أفهم جانباً آخر من “السياسة”. ففي حالات مثل حالتي، يكون لتقييم أخصائي العلاج الطبيعي وزن كبير جداً في تحديد ما إذا كان المريض يستطيع العودة إلى البيت. وفي المقابل، المستشفى نفسه يحتاج إلى السرير الذي يشغله المريض، في ظل الطلب المتزايد عليه. ولا أقول بالطبع إن هناك من يريد التخلص من المريض لإخلاء السرير؛ المسألة ليست بهذه البساطة. لكنها منظومة تعمل تحت ضغط مستمر، وكل فريق ينظر إلى الحالة من زاوية مختلفة، والموارد ليست بلا حدود. وفي حالتي، تدخل الدكتور ويلسون، وأصبح الاتجاه هو الانتقال إلى St. John’s Rehab بدلاً من العودة إلى البيت. ثم جاء عرض السرير من الـRehab. وبطريقة ما شعرت وكأن الرسالة هي: ها هو السرير الذي طلبته… تفضل! وانتقلت عصر السبت 3 أكتوبر. وهناك بدأت مرحلة أخرى تماماً من الرحلة. وإذا أردت أن أصف St. John’s Rehab باختصار، فسأقول إنه أشبه بفندق خمسة نجوم من حيث الرعاية والنظافة والخدمة والهدوء، لكن مع فارق مهم: لا يسمحون لك بأن تكون نزيلاً كسولاً! فالهدف من وجودك هناك أن تعمل. كان البرنامج يقوم على العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي في جلسات يومية منظمة من الاثنين إلى الجمعة، إضافة إلى جلسة يوم السبت. وهنا وجدت ما كنت أبحث عنه فعلاً. تمارين متعددة وعلى أجهزة مختلفة لاستعادة التوازن، وتقوية عضلات البطن والظهر والكتفين والساقين وما يسمى بعضلات الـcore، والتدريب على المشي وصعود السلم ونزوله، وعلى كثير من الحركات التي لا يفكر فيها الإنسان أصلاً وهو في كامل صحته. وهنا اكتشفت أيضاً بصورة عملية الفرق بين العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي. أخصائي العلاج الطبيعي يعمل على القوة والحركة والتوازن والمشي. أما أخصائي العلاج الوظيفي فيأخذك إلى تفاصيل الحياة اليومية نفسها: كيف تنهض من السرير، كيف تجلس، كيف تدخل الحمام، كيف تستحم، كيف ترتدي ملابسك، وكيف تتعامل مع البيئة التي ستعود إليها في البيت. وكنت أتحسن فعلاً، يوماً بعد يوم. لكن يبدو أن قدري كان ألا أغادر أي مؤسسة صحية من غير فصل جديد من «السياسة»! فبعد نحو أسبوعين، أبلغتني رئيسة فريق العلاج الطبيعي، بصورة غير رسمية، أن الفريق يفكر في خروجي يوم السبت 17 أكتوبر. أي أنني سأكون قد أمضيت في الـRehab نحو أربعة عشر يوماً فقط. استوقفني أمران: الموعد نفسه، والطريقة التي عرفت بها أن الفريق يناقش خروجي. فقد بدا أن تحديد تاريخ العودة إلى البيت يجري بين أعضاء الفريق، ثم يُبلَّغ به المريض بعد ذلك، مع أنني أنا الذي سأغادر المركز وأعود إلى بيت فيه سلّمان، وأنا الذي سأتحمل عملياً نتائج القرار. فقلت لها إنني لا أعترض على حق الفريق في تقييم حالتي، لكنني أرى أنني يجب أن أكون طرفاً في هذا النقاش منذ بدايته، لا مجرد شخص يُبلَّغ بموعد الخروج بعد أن يكون قد تحدد. وقلت لها، مستخدماً لغة ربما حملتها معي من السياسة إلى المستشفى: “أنا أيضاً صاحب مصلحة في هذا القرار — بل صاحب المصلحة الأول”. ثم جاءني الطبيب المسؤول وقال لي الشيء نفسه: الخروج المقترح يوم 17 أكتوبر. كررت له موقفي. قلت إنني أتحسن، ولا أنكر ذلك، لكنني لا أشعر بعد بأنني استعدت التوازن والثبات اللذين أحتاجهما للعودة إلى البيت. هدفي لم يكن مجرد أن أتمكن من المشي أمام المعالج في ممر الـRehab. هدفي أن أعود إلى بيتي، وفيه سلّمان، وأتحرك فيه بأمان قدر الإمكان، من غير أن أتعرض لسقوط جديد، ومن غير أن تصبح زينب هي الأخرى معرضة للخطر وهي تحاول مساعدتي. وقلت له إنني أريد أيضاً أن أستشير الدكتور ويلسون. وهنا تكرر تقريباً المشهد نفسه الذي حدث في Sunnybrook. انفعل الطبيب بعض الشيء وارتفع صوته، وقال إن فريق العلاج الطبيعي هو الذي يقرر، بناء على تقييمه، متى يكون المريض جاهزاً للخروج، وإن جراح العمود الفقري لا يملك سلطة تحديد مدة إقامة المريض في مركز التأهيل. فقلت له مرة أخرى: «أنا لا أريد الدخول في خلاف دستوري حول توزيع السلطات بينكم!» لكن الدكتور ويلسون هو الجراح الذي أجرى لي العملية، ومن الطبيعي أن أستأنس برأيه. ثم أضفت: *”وأنا أيضاً صاحب مصلحة، بل صاحب المصلحة الأول”*. فالمعالج يعرف كيف أمشي أمامه. والطبيب يقرأ التقارير. لكنني أنا الذي أعرف البيت الذي سأعود إليه. وأنا الذي أعرف مقدار الثقة التي أشعر بها عندما أضع قدمي على أول درجة من السلم. وأنا الذي سأعيش نتيجة القرار بعد أن أغادر المركز. ولهذا لا أرى أنه من الطبيعي أن يكون صوتي غائباً عن النقاش. بعد ذلك أرسلت رسالة ثانية إلى الدكتور ويلسون. قلت له إنني لا أحاول أن أعترض على فريق التأهيل، ولا أريد أن أبقى في المركز يوماً واحداً أكثر مما أحتاج إليه. كل ما أريده هو أن أطمئن إلى أن توقيت خروجي آمن، بالنظر إلى الجراحة، ومشكلة التوازن، وظروف البيت. وقلت له: “مهما كانت نصيحتك فسوف آخذ بها”. ولا أخفي أنني كنت أستخدم شيئاً من “سياسة المستشفى” للضغط من أجل الحصول على مزيد من الوقت في التأهيل! لكن هذه المرة بدا أن الخطة فشلت. فقد جاءني رد تلقائي من مكتب الدكتور ويلسون يقول إنه في إجازة حتى 26 أكتوبر. قلت في نفسي: انتهت آخر ورقة عندي! لكن، كما حدث أكثر من مرة في هذه الرحلة، كان لأقدار الله ترتيب آخر. فقد كان لدي موعد محدد مسبقاً مع طبيب الكسور لمتابعة الكسر الموجود في عظمة العجز sacrum، وتسبقه صورة أشعة للحوض. أخذوني إلى المستشفى، أجريت الأشعة، ثم قابلت الطبيب. طمأنني بأن الكسر يلتئم بصورة جيدة، وإن كان الألم يحتاج بطبيعة الحال إلى بعض الأسابيع حتى يخف. فقلت في نفسي: هذه فرصة لا تُفوَّت! شرحت له أن فريق الـRehab يقترح خروجي، لكنني ما زلت أشعر أن أسبوعين إضافيين من التمارين المنظمة سيحدثان فرقاً كبيراً في توازني وفي قدرتي على العودة إلى البيت بأمان. طلبت منه، إذا كان يرى طلبي معقولاً طبياً، أن يوصي ببقائي فترة إضافية. فوافق. وكتب توصيته أمامي. وبعد فترة قصيرة جاءني الطبيب نفسه الذي كان بيني وبينه النقاش السابق. قال لي إنهم اجتمعوا مع فريق العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي، وراجعوا حالتي، واتفقوا على تمديد إقامتي أسبوعين إضافيين. وأصبح موعد الخروج الجديد: *الجمعة 30 أكتوبر*. أي أمس الأول. هل كان السبب توصية طبيب الكسور؟ هل أعاد فريق التأهيل تقييم احتياجاتي؟ هل كان لإصرار المريض نفسه بعض الأثر؟ ربما كان لكل ذلك نصيب. لكن النتيجة أنني حصلت على أسبوعين إضافيين من التمارين. والآن، بعد أن أكملتهما، أستطيع أن أقول إنني سعيد جداً لأنني فعلت ذلك. فالفرق بين حالتي في 17 أكتوبر وحالتي اليوم واضح بالنسبة لي. تحسن توازني. ازدادت قدرتي على المشي. قويت العضلات التي ضعفت بفعل الإصابة والجراحة والإقامة الطويلة. وازدادت ثقتي في التعامل مع السلالم والحركة اليومية. لم أصل إلى نهاية التعافي، بطبيعة الحال. لا يزال أمامي وقت، ولا يزال الألم موجوداً بدرجات مختلفة، والكسر نفسه يحتاج إلى أسابيع حتى يلتئم تماماً. لكنني اليوم أكثر استعداداً للعودة إلى البيت مما كنت عليه قبل أسبوعين. وهنا تعلمت شيئاً مهماً: هناك فرق بين أن يكون المريض *قابلاً للخروج طبياً* وبين أن يكون *مستعداً بصورة معقولة للعودة إلى حياته اليومية*. ولا يعني ذلك أن شعور المريض وحده يحسم القرار. فالطبيب والمعالج يملكان معرفة وخبرة لا يملكهما المريض. لكن المريض أيضاً يملك معرفة لا يملكها أحد غيره: معرفة بجسده، وببيته، وبمقدار ثقته في نفسه، وبالبيئة التي سيعود إليها. ولهذا لا ينبغي أن يكون مجرد موضوع للقرار، وإنما شريكاً فيه. وخلال هذه الأسابيع الخمسة ترسخ عندي أيضاً ما بدأته أكتشفه في Sunnybrook: المكانة المحورية للممرضة ولأخصائيي العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي. الجراح هو نجم اللحظة الكبرى. وفي حالتي، أصلح الدكتور ويلسون وفريقه ما انكسر وثبتوا ظهري. لكن بعد ذلك تبدأ رحلة طويلة لا يقوم بها الجراح. الممرضة هي التي تكون معك ليلاً ونهاراً، تعرف إن كنت نمت أو لم تنم، وإن كان الألم قد زاد أو انخفض، وإن كنت استطعت الوقوف أم لا، وتراك في تفاصيل لا تظهر في صورة الأشعة. وأخصائي العلاج الطبيعي هو الذي يعيد تدريب الجسد على الحركة، ويختبر التوازن والقوة والمشي والسلالم. وأخصائي العلاج الوظيفي يعيدك إلى أبسط تفاصيل الاستقلال اليومي. هذه ليست خدمات جانبية تدور حول “الطب الحقيقي”. هي جزء من العلاج نفسه. وقد اختلفت مع بعضهم أحياناً، واحتد النقاش بيننا أحياناً، وربما أغضبوني وأغضبتهم، لكن ذلك لم ينقص من امتناني لهم شيئاً. بل جعلني أفهم أدوارهم ومكانتهم داخل النظام أكثر. وبعد خمسة أسابيع كاملة داخل هذا العالم، أخرج أيضاً بإعجاب كبير بالنظام الصحي الكندي، ولكن بعين أكثر واقعية. هو ليس نظاماً مثالياً. هناك بطء. وهناك ضغط على الأسرة. وهناك انتظار. وهناك طلب متزايد في مواجهة قدرات وموارد ليست بلا حدود. وقد يمضي مريض مثلي يومين على نقالة في الطوارئ، ثم يومين آخرين في غرفة الإفاقة، فقط لأنه لا يوجد سرير. لكن عندما تنظر إلى الصورة كاملة ترى منظومة متكاملة: الطوارئ، والجراحة، والتمريض، والأشعة والفحوص، والعلاج الطبيعي، والعلاج الوظيفي، والتأهيل، ثم التحضير للعودة إلى البيت. وكل مرحلة لها فريقها ووظيفتها. والمذهل بالنسبة لي، كما قلت في المقال الأول، أن كل هذه الرحلة — من الطوارئ إلى الجراحة إلى الإقامة والتأهيل — تمت من غير أن تمتد يد إلى جيبي مرة واحدة، بحثا عن نقود أو كرت ائتمان. كل ما احتاجوه مني منذ البداية كان بطاقة الصحة الحكومية. وفي لحظة مرض خطير كهذه يدرك الإنسان بصورة عملية قيمة أن يكون السؤال الأول: *ماذا يحتاج المريض؟* لا: *كم يستطيع أن يدفع؟* ولعل أطرف ما في الرحلة أنني أمضيت سنوات أكتب وأتحدث عن الحوار والمشاركة وأصحاب المصلحة ومن يملك القرار، ثم انتهى بي الأمر في المستشفى ومركز التأهيل أستخدم اللغة نفسها دفاعاً عن… *ظهري!* كنت أقول لهم: أنا أيضاً صاحب مصلحة في هذا القرار، فلا تناقشوا خروجي من غير أن أكون طرفاً في النقاش. يبدو أن بعض العادات الفكرية لا تستطيع حتى “عملية دمج الفقرات” Spinal Fusion علاجها! وفي الوقت نفسه، منحني المستشفى والـRehab شيئاً لم أكن أتوقعه: وقتاً إجبارياً للقراءة والكتابة. فبين التمارين والمسكنات وزيارات الأطباء، وجدت نفسي أراجع مسودات وأكتب تعقيبات وأتابع بعض النقاشات التي تركتها قبل الحادث. حتى وأنا في حالة حرب مع ظهري، لم تسلم مني السياسة السودانية! وربما كانت الكتابة نفسها، بطريقتها، جزءاً من التأهيل. أما أكثر ما بقي مؤثراً في نفسي، فهو ما كتبته في المقال الأول عن *المحبة التي تكشفها المحنة*. وبعد أكثر من خمسة أسابيع لم يتراجع ذلك الشعور، بل ازداد. تواصل معي أصدقاء قريبون، وآخرون فرقتنا السنوات والبلدان، ومعارف، وأناس لا أعرفهم شخصياً. وكانت بعض الكلمات البسيطة أبلغ أثراً من خطب كاملة. لذلك أعود مرة أخرى إلى الشكر، لا لأن الكلمات تكفي، وإنما لأنه لا توجد وسيلة أخرى أرد بها على هذا القدر من الاهتمام والمحبة. واليوم عدت إلى البيت. إلى زينب، وإلى راوية، وإلى كتبي وأوراقي، وإلى الـbasement نفسه. وها أنا أجلس على الكرسي الذي كنت أجلس عليه قبل أكثر من خمسة أسابيع، والدرجة التي بدأت منها هذه الرحلة لا تبعد عني إلا خطوات قليلة. لكنني عدت بشيء أكثر من ظهر ثُبّت بالحديد. عدت بمعرفة جديدة بأن أشياء كنا نعدها بديهية — أن نقوم من الكرسي، نمشي، نصعد السلم، وننام من غير ألم — يمكن أن تتحول فجأة إلى نعم تستحق الاحتفال. وعدت أيضاً بمعرفة أعمق بقيمة المؤسسات حين تعمل، وبقيمة الذين يعملون فيها، وبأن استقلال الإنسان لا يعني ألا يحتاج إلى أحد؛ فنحن جميعاً، في لحظة ما، نحتاج إلى يد تساعدنا على الوقوف. لكن العودة إلى البيت لا تعني، بالطبع، أن رحلة العلاج قد اكتملت. فقد سجلت في أحد مراكز العلاج الطبيعي التي تغطي خدماتها “خطة التأمين الصحي في أونتاريو” (OHIP)، ويبعد المركز عن البيت أقل من كيلومترين، أو ثلاث محطات بالبص فقط. أما الوصول إليه فلا يقلقني كثيراً؛ فالمشي وصعود البص لم يعودا مشكلة حقيقية، وللمسافات الأطول عندي عصاي التي أتوكأ عليها… وأهش بها على الغنم إذا ظهرت في الطريق! فالتعافي مستمر، ولكن هذه المرة من البيت، وبخطوات أكثر ثباتاً وثقة. وعندما كتبت المقال الأول قلت، مازحاً، إنني بدلاً من أن أحصل على *”مظهر جديد للوجه”* حصلت هذه المرة على *”مظهر جديد للظهر”*. لكن يبدو أن القدر أراد أن يكمل النكتة، فقد أطلقت العنان للحيتي خلال هذه الأسابيع، وعدت إلى البيت بظهر جديد ووجه جديد في الوقت نفسه! وفي المقال الأول ختمت بعبارة: *الله قدّر ولطف، وما شاء فعل*. أقولها اليوم مرة أخرى، ولكن بمعنى أعمق. فقد دخلت المستشفى بسبب كسر في ظهري، وخرجت منه بمعرفة جديدة بالجسد، وبالناس، وبالمؤسسات، وبمعنى أن يستعيد الإنسان استقلاله خطوة خطوة، وبحقيقة بسيطة ربما ننساها في زحام الحياة: أن القوة ليست دائماً في أن نستغني عن الآخرين، بل أحياناً في أن نقبل حاجتنا إليهم ونشكرهم حين نجدهم. وفوق ذلك كله، خرجت وقد اكتشفت أن لي رصيداً من المحبة أكبر بكثير مما كنت أتصور. وهذه، ربما، كانت أجمل هدايا الرحلة كلها. *والحمد لله على أقداره كلها*. تورونتو، 1 نوفمبر 2026
أخبار ذات صلة
صحةالصين تبتكر علاجًا غير جراحي لإصابات الدماغ باستخدام الموجات فوق الصوتية
صحةسوء التغذية يفتك بأطفال دارفور: قصص مؤثرة وصراع مستمر من أجل البقاء
صحةوزير الصحة: استعادة 65% من سلسلة الإمداد الدوائي وتوسع غير مسبوق في خدمات قسطرة القلب
صحة
