السودان
ثقافة

تضخيم المشكلات الفردية: كيف تحول وسائل التواصل الاجتماعي الاستثناء إلى وصمة مجتمعية؟

التغيير٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٧:٤٠ م0 مشاهدة
تضخيم المشكلات الفردية: كيف تحول وسائل التواصل الاجتماعي الاستثناء إلى وصمة مجتمعية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "وصمة التعميم: سوسيولوجيا المشكلات السلوكية في أعلام التواصل الاجتماعي" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يعد الفضاء الافتراضي مجرد ساحة للتواصل والترفيه، بل أصبح مصدراً للمعلومات يشكّل صوراً ذهنية عن المجتمعات والثقافات. وفي خضم هذا الانفجار الإعلامي، تبرز ظاهرة خطيرة تتمثل في تحويل المشكلات السلوكية الفردية، التي هي بطبيعتها استثناءات محدودة، إلى مادة إعلامية تُعمَّم على المجتمع بأكمله، مما يمنحه وصمة تتجاوز حقيقته الواقعية. وتتعاظم هذه الإشكالية عندما تعتمد منصات مثل تيك توك وفيسبوك وتويتر على الإثارة والتشويق في تناول هذه المشكلات، دون مراعاة للضوابط المهنية والأخلاقية. فالسرعة في رصد المشكلة لا تقابلها سرعة في التحقق منها أو معالجتها، مما يحولها إلى مادة استهلاكية تدر المشاهدات قبل أن تُدرس علمياً.

يكمن جوهر الأزمة في الخلط المعرفي بين ما هو فردي وما هو اجتماعي، وبين الاستثناء والقاعدة، مما يؤدي إلى تضخيم الوصمة وتعميمها. وهذا الخلط لا يُعالج بالإنكار أو التجميل، بل بمنهج علمي متكامل يضع المشكلة في سياقها، ويميز بين الحالة الفردية والظاهرة الاجتماعية بشروط موضوعية، ويستعين بالمتخصصين في العلوم الاجتماعية والإنسانية والسلوكية قبل إطلاق الأحكام أو صنع "الترند". فالسؤال المطروح ليس حول وجود مشكلات سلوكية، بل حول من يملك الحق في تحويل هذه المشكلات إلى صورة معتمدة عن الوطن، وبأي منهج، وما الثمن الذي تدفعه صورة المجتمع عندما يتحول النقد إلى وصمة؟

تحدث حالة الخلط المعرفي هذه بين المشكلة الفردية السلوكية والتعميم الذي يبني صورة ذهنية مُدركة عن المجتمع ككل، بما يجعل منها وصمة شبه دائمة. وتؤكد المنهجية العلمية أن المشكلة تكتسب صفة التعميم إذا مثلت نسبة مئوية معتبرة، ولكن هذا لا يعني إهمال الحالات الأقل معدلاً، بل دراستها وفق ما يقرره المتخصصون عبر المسوحات والأبحاث.

قد يجد بعض الأفراد ذوي الهشاشة النفسية أو الاضطرابات السلوكية في نشر الوصمة متنفساً لما يعانون داخلياً، عبر آلية الإسقاط النفسي أو السلوك التعويضي. وفي كلتا الحالتين، تتحول المشكلة الفردية إلى أداة ضرر بصورة المجتمع ككل. وتكمن خطورة الإعلام التواصلي الاجتماعي في اعتماده على الإثارة والتشويق، مما يجعل البيئة قابلة لتضخيم المشكلات. وعلى الجانب الآخر، يمكن الاستفادة من هذه الوسائط في معرفة مخرجات فعل البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

يشكل النشر غير المرشد بعداً أمنياً واستخباراتياً يمكن استغلاله لتحليل الاتجاهات النفسية والاجتماعية للشعب والنخب. ورغم أن هذه الوسائط تنبه للمشكلات بسرعة، إلا أن سرعتها في النشر لا تقابلها سرعة مماثلة في الأساليب المهنية، مما يحول المشكلة إلى مادة تعميم. وهنا تبرز أهمية السرية كمبدأ أخلاقي قبل مرحلة الانتشار، لحماية المجتمع بدلاً من تضخيم المشكلات بالإثارة والتشويق، كما حدث مع صحيفة الدار في السودان التي اعتمدت على الإثارة بغرض البيع.

تقتضي الأهمية تعاون الجهات المختصة لتهيئة سياق يحافظ على سلامة الأمن المجتمعي والثقافي، دون الإخلال بحرية التعبير والنشر. وتتوزع دراسة المشكلات السلوكية على ثلاثة حقول متكاملة: علم الاجتماع الذي يربط السلوك الفردي بالبنية الاجتماعية والثقافية، وعلم النفس الذي يدرس الدوافع والعوامل المسببة للمشكلات السلوكية، والخدمة الاجتماعية التي تعتمد على منهج تطبيقي لحل المشكلات.

التكامل بين هذه الحقول يعني أن الحكم على سلوك ما بأنه "مشكلة قابلة للتعميم" لا يُترك للمنصات، بل يمر عبر التحقق السوسيولوجي، والتفسير النفسي، والتقييم المهني. فالسرعة في الرصد شيء، والسرعة في الحكم والنشر شيء آخر خطير. لذلك، ينبغي تناول تلك المشكلات بالاستعانة بالمتخصصين، وإلا تحول الغرض إلى مجرد صناعة "ترند" وزيادة المشاهدات، على حساب صورة الوطن والمواطن.

شارك الخبر: