السودان
اقتصاد

تريث في صفقة المعادن مقابل الآليات: دعوة لمرصد وطني لحماية ثروات السودان

التغيير١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٥:٠٦ م0 مشاهدة
تريث في صفقة المعادن مقابل الآليات: دعوة لمرصد وطني لحماية ثروات السودان

تنويه

هذا الخبر بعنوان "التريث في صفقة “المعادن مقابل الآليات”: نحو مرصد وطني لحماية المعادن والزراعة" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل المشاريع والصفقات المعروضة تحت لافتة الشراكة، يدعو الكاتب إلى التريث والتدقيق الرشيد قبل اتخاذ أي خطوات قد تجعل السودان رهيناً لالتزامات طويلة الأجل. يأتي هذا الطرح في وقت قدّم فيه النائب الأمريكي جيم بيرد مشروع قانون بعنوان “قانون الاستثمار في المعادن والشراكة والزراعة والتجارة مع السودان” (IMPACT)، والذي يهدف إلى شراكة أمريكية – سودانية في الزراعة والمعادن، تقدم بموجبها الولايات المتحدة آليات وتقنيات ومعدات، مقابل معادن يستخرجها السودان. وأوضح صاحب المشروع أن دوافعه تتمثل في توسيع إمدادات المواد التي تستخدمها أمريكا يومياً.

يطرح هذا المشروع وبلادنا في عامها الرابع من الحرب، بلا حكومة مدنية ولا برلمان ولا مؤسسات رقابية قادرة على التفاوض أو المساءلة. وحين يصوغ برلمان أجنبي الشروط التي قد تُبادَل بها ثروات السودان في غياب من يمثل أهله، فإن الأمر يستدعي وقفة من الشرفاء والمهنيين في السودان.

بعد ثلاث سنوات ونصف من الحرب، تأكد مقتل ما يفوق الـ 50 ألف شخص، ونزح قسراً أكثر من 11 مليون إنسان، ويحتاج أكثر من 20 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية. وتُظهر التحذيرات أن تداعيات الحرب والجفاف تدفع الكثير من السكان نحو المجاعة.

على الصعيد الاقتصادي، توقف النشاط أو كاد، وشهد الجنيه تراجعاً دراماتيكياً بمعدلات تضخم غير مسبوقة. ويشير اقتصاديون إلى سبب مقلق يتمثل في شراء السلطات للدولار من السوق السوداء لتمويل صفقات السلاح والوقود، بينما المصادر المولدة للدخل معطلة في معظمها.

تاريخياً، كانت دبلوماسية المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة، صادقة في أقوالها، شحيحة في نتائجها. فمنذ فبراير هذا العام، ظل السيد مسعد بولس يبشّر بهدنة إنسانية وخريطة طريق، ولم يتحقق شيء. وفي الرابع من أكتوبر، رشحت أخبار بلقاء جمعه مع الفريق البرهان، مؤكداً دعم واشنطن لوحدة السودان وسيادته، ولمقترح هدنة مدتها تسعون يوماً، ولا تزال تلك الهدنة حبراً على ورق.

لا يخفى سبب تراجع السودان في سلّم أولويات واشنطن، فمنذ فبراير تستغرق الولايات المتحدة حربها مع إيران وأزمة مضيق هرمز، وتستنزف انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الاهتمام السياسي.

يعترف الكاتب بوجود إيجابيات في “مشروع قانون إمباكت”، فهو لا يُنشئ شراكة اليوم، بل هو مقترح أحيل إلى لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب. وتحظر مادته الثالثة قيام أي شراكة قبل أن يقرر وزير الخارجية أن “سلطة حاكمة شرعية بقيادة مدنية في السودان” حققت تحسناً ملموساً. لكن الشروط المكتوبة في واشنطن ليست ضمانات مكتوبة في الخرطوم، وهناك مخاوف واستفهامات حولها.

أولاً: من يقرر الشرعية؟ بموجب المشروع، يشهد مسؤول حكومي أجنبي واحد بما إذا كانت حكومة السودان شرعية بما يكفي لمبادلة معادنه. والشرعية في السودان لا تُمنح من الخارج، بل يمنحها السودانيون عبر عملية سياسية ذات مصداقية. ومثل هذه الشهادة تخلق حافزاً منحرفاً.

ثانياً: المقايضة ليست شراكة: نموذج المشروع – معدات ومساعدة فنية “مقابل” معادن – هو نموذج “الموارد مقابل البنية التحتية” الذي تعرفه أفريقيا جيداً، وموطن ضعفه التسعير. وحين تقايض دولة منهكة تفتقر إلى النقد ذهبَها وعناصرها النادرة الناضبة بآليات يحدد الطرف الأقوى قيمتها، نادراً ما تأتي الشروط لصالح الأضعف.

ثالثاً: الأرض والناس: يعيل قطاع التعدين الأهلي للذهب نفر مُقدر بحوالي مليوني سوداني، وينتج ما يقارب الـ 70% من إنتاج البلاد. ووراء عبارة “المعادن المشمولة” ومواقعها الجغرافية قرى ومسارات رعي وآبار ومقابر وغير ذلك، ولا يذكر المشروع شيئاً عن حيازة الأرض، ولا عن الموافقة الحرة المسبقة للمجتمعات المحلية، ولا عن معايير إعادة التوطين أو التعويض.

رابعاً: تحديات الحوكمة وضبط الموارد: تشير البيانات الدولية إلى أن غياب الرقابة الموحدة أدى لسلسلة من التسربات في عائدات الثروات المعدنية. ومن هذا المنطلق، فإن الاستعجال في فتح مسارات جديدة لتصدير المعادن في هذه المرحلة قد يضاعف من صعوبة ضبط العائدات وتوجيهها للمصلحة الوطنية العامة، وهو ما يتطلب التريث لحين توحيد المؤسسات السيادية والرقابية.

خامساً: التاريخ يدعو إلى التريث: يتذكر السودانيون كيف مولت عائدات النفط في التسعينيات ومطلع الألفية الحرب لا التنمية. وعليه، فإن دبلوماسية الموارد في الدول الهشة، مهما حسنت النوايا، سجلها ضعيف في جلب السلام أو الرخاء لمن يعيشون على الأرض.

يؤكد الكاتب على مبادئ الأمم المتحدة السيادة الدائمة للشعوب والأمم على ثرواتها الطبيعية، وحق تنميتها الوطنية ورفاه شعوبها. وعليه، يقدم رؤيته حول المشروع الأمريكي وما يجب القيام به: تجميداً وطنياً لأي امتياز تعدين جديد طويل الأجل، أو إيجار أراضٍ، أو اتفاق “موارد مقابل سلع”، إلى أن تتوقف الحرب، ويكتمل قيام حكومة مدنية ذات تفويض وطني واسع، وتتكون هيئات تشريعية انتقالية وتتولى مراجعته.

أن يخضع أي اتفاق مستقبلي – أمريكياً كان أو خليجياً أو صينياً أو روسياً أو تركياً – للنشر الكامل، والتقييم المستقل، والمصادقة من هيئة تشريعية سودانية، وأن يُلزَم بضمانات نافذة لحقوق الأرض وموافقة المجتمعات المتأثرة وحماية البيئة.

وإلى أصحاب “قانون إمباكت” يقول الكاتب: إن كان همّكم حقاً حماية المدنيين، فعدّلوا المشروع، اجعلوا مصادقة هيئة تشريعية سودانية منتخبة أو ممثِّلة تمثيلاً واسعاً شرطاً أساسياً، واشترطوا الشفافية الكاملة للعقود وموافقة المجتمعات، واحظروا أي منفعة لأي طرف مسلح تحوم حوله شبهات جدية بارتكاب فظائع أو تهريب معادن، عندئذٍ يصبح المشروع رافعةً للسلام لا عربوناً على مواردنا.

نداء للمهنيين السودانيين: لا يستطيع أي رأس مال أجنبي أن يحمي ما نهمله نحن، لذا يدعو الخبراء الجيولوجيين ومهندسي التعدين والقانونيين والاقتصاديين والزراعيين والصحفيين والاستراتيجيون وجالياتنا الواسعة في المهجر إلى اليقظة والعمل على تكوين “مرصد سوداني لسيادة الموارد” يُدار بهيئة مستقلة غير حزبية ترسم خرائط الامتيازات وملّاكها، وتجمع العقود وتنشرها، وتتتبّع مسارات الذهب، وتوثّق التهجير، وتقدّم الأدلة إلى البرلمانات والمحاكم – في واشنطن وفي الخرطوم. وعلينا أن نخاطب الكونغرس الأمريكي قبل مناقشة المشروع في اللجنة، لا بعد إقراره.

وفوق كل شيء، علينا أن نداوي انقساماتنا. فالقوى المدنية – “صمود” ومن هم خارجها، ولجان المقاومة، والنقابات المهنية، والحركات الشبابية، والإدارات الأهلية، والنازحون وعامة اهل السودان، علينا طي الخلاف حتى لا يقرر حملة السلاح مصير بلادنا. لسنا مطالبين بالاتفاق على كل شيء، بل على حدٍ أدنى: إنهاء الحرب؛ جيش وطني مهني واحد؛ حكومة انتقالية مدنية؛ العدالة للضحايا؛ والسيادة على مواردنا. إذا توحّدنا بجبهة مدنية لن نترك لأي جهة أجنبية أن تختار لنا قادتنا، لأننا سنكون قد اخترناهم بأنفسنا. السودان يرحّب بالشركاء، ولا حاجة له بالمشترين. وطننا ليس منجماً يُفرَغ بينما يُدفن أهله، بل أمة يُعاد بناؤها بأيدي أبنائها، وتحت قانونها، ومن أجل أطفالها.

شارك الخبر: