تعدين الذهب العشوائي يهدد ولايات الشمال السوداني بكارثة بيئية وصحية وشيكة


هذا الخبر بعنوان "تعدين الذهب العشوائي يُهدد ولايات الشمال بالانهيار البيئي والصحي" نشر أولاً على موقع سودان تربيون وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل اشتعال جبهات القتال، نزح مئات الآلاف من السودانيين إلى الولايات الشمالية والشرقية والوسطى، التي وُصفت بـ”ملاذات الأمان”. لكن هذه الولايات، وعلى رأسها نهر النيل والشمالية، لم تكن بمعزل عن الكارثة، إذ تحولت إلى مسرح مفتوح لـ”اقتصاد الموت”، متمثلاً في طفرة غير مسبوقة للتعدين العشوائي عن الذهب. وتُحيط بهذه الولايات كارثة بيئية وصحية ناجمة عن استخدام مواد كيميائية قاتلة كالسيانيد والزئبق في عمليات التنقيب التقليدي.
تؤكد الإحصائيات الصادرة عن وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية أن قطاع التعدين الأهلي والتقليدي يمثل العمود الفقري لإنتاج الذهب في السودان، حيث تخطى الإنتاج السنوي عشرات الأطنان، ويمثل أكثر من 58% من إجمالي صادرات البلاد بعائدات تجاوزت المليار ونصف المليار دولار. وتشير تقديرات إلى أن أكثر من 80% من إنتاج الذهب في السودان يأتي عبر التعدين الأهلي، الذي يديره نحو مليونَي شخص بشكل مباشر، وقد يصل الرقم إلى 5 ملايين إذا أضيفت المهن المصاحبة.
في ظل غياب الرقابة الصارمة، وتكدس ملايين الأطنان من مخلفات التعدين (“الكرتة”) المشبعة بمئات الأطنان من الزئبق وآلاف الأطنان من السيانيد السامة بالقرب من التجمعات السكانية ومجاري المياه، تواجه البيئة في ولايتَي نهر النيل والشمالية قنبلة موقوتة تهدد الحياة البرية والبشرية. وقد رصدت متابعات انتشار مراكز معالجة مخلفات التعدين في مناطق العبيدية وأبو حمد ومحيط نهر النيل، باستخدام أحواض الغسيل والترشيح المفتوحة المشبعة بالمواد الكيميائية على مرمى حجر من مزارع النخيل ومصادر المياه الجوفية. وأدت مياه الأمطار والسيول الموسمية إلى جرف هذه الأحواض نحو المجاري المائية، ما تسبب في حالات تسمم جماعي ونفوق للماشية وتسمم للتربة الزراعية في عدة قرى بنهر النيل.
أظهرت تحاليل مختبرية لعينات مأخوذة من القرية 3 مؤشرات خطيرة تتعلق بتركيزات عنصر الزئبق (Hg) ومستوياته المرصودة في بيئة التربة والمياه. وتكشف التحاليل عن تباين واسع ومؤشرات بالغة الخطورة تتعلق بتوزيع المركبات الكيميائية ومستويات التلوث البيئي. وسجلت عينات التربة تركيزات هائلة تتجاوز بأضعاف المعدلات الطبيعية الآمنة، حيث بلغت إحدى العينات الترابية نحو 2825.24. وفي المقابل، سجلت العينات المائية تباين في درجات الحموضة تراوح بين الحمضية الخفيفة والقلوية. وعند مقارنة هذه النتائج بالمعايير القياسية الدولية لوكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، والتي تحدد الحد الأقصى المسموح به لعنصر الزئبق في مياه الشرب بـ 0.002 ملغ/لتر، يتضح مدى خطورة الوضع ومدى تسرب هذه التراكيز العالية إلى المياه الجوفية والسطحية.
تشير دراسات ميدانية سابقة أجراها باحثون من جامعة النيلين، والجمعية السودانية لحماية البيئة، والمجلس الأعلى للبيئة، إلى كارثة بيئية محققة في القرى الواقعة شمال مدينة عطبرة وجنوب بربر. وأثبتت الدراسات المستويات العالية والمرعبة لمحتوى الزئبق في تربة المزارع، والتي تحول العديد منها إلى مكبات واسعة للكرتة والمخلفات السامة. وأظهرت النتائج أن نسبة 20% من عينات مياه الشرب العشوائية تحتوي على عنصري الزئبق والسيانيد بنسب متفاوتة. والأكثر خطورة هو ثبوت احتواء عينتين من أصل سبع عينات مأخوذة من المواطنين، وعينة من أصل أربع عشرة عينة دم، على نسب عالية ومرعبة من الزئبق، كان معظمها مأخوذاً من أطفال صغار.
يقول عثمان محمد، معدّن من منطقة العبيدية، إنهم يعملون في ظروف قاسية بحثاً عن لقمة العيش بعد نزوحهم بسبب الحرب. ويضيف أنهم يستخدمون أحواض السيانيد وخلاطات الزئبق لفصل الذهب لأنها الطريقة الوحيدة السريعة المتاحة، رغم علمهم بخطورة هذه المواد.
في المقابل، يذكر أحمد الطيب، معدّن وبائع مستلزمات تعدين في سوق أبو حمد، أن السوق يشهد فوضى عارمة وزيادة جنونية في الإقبال على العمل في التعدين العشوائي. وأكد أن أحواض الاستخلاص تُحفر بطريقة بدائية ودون عوازل بلاستيكية، مما يترتب عليه تسرب السوائل الكيميائية مباشرة إلى باطن الأرض والمياه الجوفية. ونوه بتزايد حالات الإصابة بأمراض صدرية وحساسية جلدية حادة بين العاملين والسكان المحليين.
يؤكد بابكر عبد الرحيم، أحد سكان مدينة أبو حمد، غياب الحكومة والجهات الرقابية تماماً عن ضبط الخلاطات العشوائية. وقال إن بعض أصحاب المصانع يهربون من الرسوم والاشتراطات البيئية عبر إنشاء خلاطات أهلية في مناطق بعيدة، ويستخدمون كميات كبيرة من السيانيد والزئبق دون أي اكتراث بأرواح البشر. ورأى أن النيل والمياه الجوفية يتعرضان لتسمم بطيء، محذراً من كارثة صحية إذا لم تتحرك الدولة لتقنين هذه الأنشطة وفرض عقوبات رادعة.
في المقابل، أكد مصدر مسؤول في الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة أن الشركة تواجه تحديات بالغة التعقيد في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. وأوضح أن الشركة لم تتوانَ عن وضع اشتراطات صارمة للسلامة البيئية، وفرض حظر قاطع على استخدام المواد الكيميائية المحظورة خارج المصانع المرخصة. وأقر بأنه على الرغم من الجهود المبذولة، فإن اتساع المساحات الجغرافية وتدفق الباحثين عن عمل بسبب الحرب أدى إلى ظهور أسواق ومخلفات عشوائية خارجة عن السيطرة الرسمية. وأكد وجود تنسيق مع حكومات الولاية والأجهزة الأمنية لتنفيذ حملات تفتيش دورية وضبط المخالفين، إلى جانب إطلاق برامج توعوية لرفع الوعي المجتمعي بمخاطر التعدين الجائر، والالتزام بتطوير مشاريع المسؤولية المجتمعية لحماية مصادر المياه والبيئة السكانية.
سياسة
اقتصاد
سياسة
اقتصاد