وقف الحرب في السودان: مقارنة نقدية بين مبادرتي الحزب الشيوعي و«صمود» حول صناعة السلام وشروطه


هذا الخبر بعنوان "وقف الحرب: من يصنع السلام ومن يحدد شروطه؟ .. قراءة نقدية في مبادرتي الحزب الشيوعي و «صمود»" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يدور الخلاف الجوهري بين الحزب الشيوعي السوداني وتحالف «صمود» حول ضرورة وقف الحرب. فالوثيقتان تنطلقان من رفض الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة المسار المدني الديمقراطي، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس قومية ومهنية، وتربطان الحرب، بدرجات مختلفة، بأزمة الدولة السودانية ومحاولة تصفية ثورة ديسمبر. وينحاز المقال إلى جوهر مبادرة الحزب الشيوعي التي تجعل بناء القوة الجماهيرية المستقلة مدخلاً لوقف الحرب واسترداد الثورة. غير أن هذا الانحياز لا يعفي من إخضاع المبادرتين معاً لاختبار النص والممارسة وموازين القوى والقدرة الفعلية على الإنجاز. فالسؤال الأكثر أهمية ليس فقط: كيف تتوقف الحرب؟ وإنما: من يصنع السلام، ومن يمتلك القوة التي تحدد شروطه؟
تضع مبادرة الحزب الشيوعي «استعادة دور الحركة الجماهيرية» في صدارة مشروعها، وتنطلق من أن وقف الحرب واستعادة الثورة يمران عبر «الحراك الجماهيري الواسع وتنظيم الجماهير»، وصولاً إلى «وحدة جماهيرية قاعدية عميقة». وتدعو المواطنين في مواقع النزوح والريف والحضر واللجوء إلى تنظيم أنفسهم وتحديد مطالبهم وموقفهم من الحرب، باعتبارهم أصحاب المصلحة المباشرة في وقفها والتغيير. ومن هنا تأتي فكرة «الجبهة الجماهيرية القاعدية العريضة»، التي يفترض أن تربط الأحزاب الوطنية والديمقراطية والمنظمات المجتمعية والنقابية والحركات والقوى صاحبة المصلحة في التغيير، وأن تعمل وسط الجماهير لتنظيمها وبناء الضغط الكافي لإجبار طرفي الحرب وحلفائهما على وقفها.
رؤية «صمود» لا تغفل الجماهير. فهي تشترط أن تتمتع العملية السياسية بـ*«عمق شعبي وبمشاركة حقيقية لأصحاب المصلحة»*، وتذكر القوى السياسية وحركات الكفاح المسلح والمجتمع المدني والمهنيين والنقابات ولجان المقاومة. كما تدعو إلى «حشد الجهد الشعبي والسياسي» وبناء جبهة مدنية عريضة. إذن لا يتعلق الاختلاف بحضور كلمة «الجماهير» في وثيقة وغيابها عن الأخرى، وإنما بموقع الجماهير داخل بنية صناعة القرار. في مبادرة الحزب، يفترض أن يبدأ المسار بتنظيم أصحاب المصلحة أنفسهم، وصياغة مطالبهم وربط تنظيماتهم وبناء قوتهم الاجتماعية، بحيث يصبحون قادرين على فرض وقف الحرب والتأثير في شكل السلطة اللاحقة. أما رؤية «صمود» فتجعل مركز الثقل في عملية سياسية تسير عبر «ثلاث مسارات»: المسار الإنساني، ومسار وقف إطلاق النار، والمسار السياسي. وتضيف إلى ذلك «ابتدار عملية سياسية عبر مائدة مستديرة (حوار سوداني-سوداني)»، والتواصل المباشر مع طرفي الحرب، والتحرك على المستوى الإقليمي والدولي. هنا يظهر فارق بين مشاركة الجماهير في عملية سياسية وبين بناء قوة جماهيرية قادرة على إنتاج العملية السياسية والتأثير في شروطها. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن وصف مسار «صمود» بأنه فوقي. والمقصود بالفوقية هنا ليس حكماً على النوايا، وإنما توصيف لمركز إنتاج السياسة: هل تتشكل الإرادة السياسية أساساً من خلال التنظيم الاجتماعي من أسفل، أم داخل القيادة والتحالف والعملية التفاوضية ثم يجري توسيعها وإكسابها العمق الشعبي؟
يتضح الاختلاف أكثر عند النظر إلى الوسائل. يضع الحزب الشيوعي ثقله الأساسي على تغيير ميزان القوى الاجتماعي والسياسي عبر تنظيم الجماهير، وصولاً إلى إجبار طرفي الحرب على وقفها واستعادة الثورة. أما «صمود» فتعطي وزناً أكبر لبناء جبهة مدنية، وإطلاق العملية السياسية، والتواصل المباشر مع طرفي القتال، والعمل مع القوى الإقليمية والدولية. لكن هذا لا يعني اختزال الحزب في «الداخل» و«صمود» في «الخارج». فكلاهما يمارس نشاطاً دولياً، والفيصل هنا هو موقع المصالح الخارجية داخل مشروع وقف الحرب. مبادرة الحزب تقر بأهمية الضغط الدولي والإقليمي، لكنها تحدد وظيفته بوصفه عاملاً «داعماً ومكملاً للعمل الجماهيري بالداخل وليس بديلاً له». وفي المقابل، يحتل التواصل مع الشركاء الإقليميين والدوليين موقعاً أكثر مركزية ضمن أدوات «صمود» لإنهاء الحرب. وهذا يطرح سؤالاً يتجاوز الموقف الأخلاقي من «الخارج»: ما المصالح التي تدخل عملية السلام، وبأي وزن؟
الحرب السودانية لا تجري في فراغ جيوسياسي، ولا يمكن اختزال التدخل الخارجي في اختلاف المواقف الدبلوماسية. فالسودان يمتلك الذهب والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية، ويتمتع بموقع استراتيجي على البحر الأحمر، فضلاً عن الموانئ وطرق التجارة والنقل. وتضع هذه الموارد والمواقع البلاد داخل تقاطعات مصالح إقليمية ودولية تتجاوز بكثير مجرد الرغبة المعلنة في إحلال السلام. وتشير مبادرة الحزب نفسها إلى التنافس على الموارد والموقع السوداني والبحر الأحمر، وترى أن تضارب مصالح القوى الخارجية أحد أسباب ضعف المبادرات الدولية. وهنا تكتسب مسألة استقلال القوة الشعبية معناها المادي. فالقوى المسلحة تدخل العملية السياسية بما تملكه من سلاح وسيطرة على الأرض. والدول الإقليمية والدولية تدخلها بما تمتلكه من نفوذ وتمويل وعلاقات ومصالح استراتيجية. ورأس المال يدخل بمصالحه في الذهب والزراعة والموانئ والتجارة، وستضاف إلى ذلك بعد الحرب مصالح ضخمة مرتبطة بإعادة الإعمار. فبأي قوة تدخل المصالح الشعبية إلى هذه المعادلة؟ العامل والنازح والمزارع والمهني وصغير المنتج لا يملكون قوة مقابلة إلا بقدر ما يستطيعون تنظيم مصالحهم وتحويلها إلى قوة اجتماعية وسياسية مستقلة. ومن هنا يصبح البناء القاعدي مسألة ميزان قوى، وليس مجرد تفضيل تنظيمي. كما أن اقتصاد السلام نفسه يستحق الانتباه بقدر اقتصاد الحرب. فمن سيمول إعادة الإعمار؟ وبأي شروط؟ من سيحصل على عقود البنية التحتية والتعدين والزراعة والموانئ؟ وما موقع الديون والتمويل الخارجي والمؤسسات المالية الدولية في الدولة التي ستنشأ بعد الحرب؟ إن وقف إطلاق النار يمكن أن ينهي اقتصاداً للحرب، لكنه قد يفتح الباب أمام اقتصاد للتسوية وإعادة الإعمار تعاد داخله صياغة المصالح ذاتها بأدوات جديدة، إذا غابت القوة الاجتماعية القادرة على فرض أولويات غالبية السودانيين.
مع ذلك، لا ينبغي تحويل أي من المسارين إلى وصفة مكتملة. تواجه استراتيجية «صمود» معضلة واضحة: العملية التفاوضية تحتاج إلى قدر من استعداد طرفي الحرب لتقديم التنازلات، كما تحتاج إلى حد أدنى من توافق القوى الإقليمية والدولية. وكلما اعتقد أحد الطرفين أنه يستطيع تحسين موقعه في الميدان، وكلما تضاربت مصالح القوى الخارجية، تقل قدرة الوساطات على إنتاج سلام مستدام. لكن الطريق الذي يقترحه الحزب الشيوعي يواجه بدوره تحدياً ربما يكون أكثر تعقيداً مما كان عليه عشية ثورة ديسمبر. فالحرب قامت بعملية تجريف وتشتيت واسعة للقاعدة الاجتماعية نفسها التي يفترض أن تنهض بمهمة المقاومة والتنظيم. ملايين نزحوا أو لجأوا إلى الخارج، وتفككت شبكات أحياء، وتعطلت مواقع إنتاج، وتشتت نقابيون ومهنيون، وتحولت قطاعات واسعة إلى اقتصاد البقاء اليومي. والعامل الذي كان يعمل في مصنع قد يكون اليوم نازحاً أو عاملاً هامشياً أو لاجئاً. والمزارع ربما فقد أرضه أو سوقه أو أدوات إنتاجه. والمعلم والطبيب والموظف قد يكونون فقدوا مواقع عملهم وأجورهم وانتقلوا إلى الاقتصاد غير الرسمي أو الهجرة. لذلك فإن «الجبهة الجماهيرية القاعدية» لا يمكن أن تكون مجرد استعادة للأشكال التنظيمية التي عرفتها سنوات الثورة. عليها أن تكتشف الخريطة الاجتماعية الجديدة التي صنعتها الحرب: تجمعات النازحين واللاجئين، شبكات الإغاثة، غرف الطوارئ، صغار المنتجين، العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، التنظيمات النسوية والشبابية، إلى جانب ما بقي أو أعيد بناؤه من لجان المقاومة والنقابات والأجسام المهنية. ومن هنا يصبح التحدي أمام الحزب واضحاً: تحويل قوة الفكرة إلى قوة مادية منظمة في المجتمع.
الاختلاف في الاستراتيجية لا يلغي وجود أرضية واسعة للعمل المشترك. يمكن أن تلتقي القوى المناهضة للحرب حول وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، فتح مسارات الإغاثة، وقف تدفق السلاح، مقاومة التسليح الأهلي وخطابات الكراهية والعنصرية، الدفاع عن وحدة السودان، المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، ورفض إعادة إنتاج نظام الإنقاذ. بل إن مبادرة الحزب نفسها تدعو إلى العمل المشترك بين طيف واسع من الأحزاب والمنظمات الجماهيرية والحركات، والتنسيق مع لجان المقاومة والنقابات، مع احتفاظ كل طرف بنشاطه المستقل. وهذا يتيح التمييز بين التفاوض الإجرائي الضروري لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين وبين التسوية السياسية التي تحدد السلطة ومستقبل البلاد. فالحاجة إلى الأول لا تستوجب بالضرورة قبول الثاني، كما أن الاختلاف حول مشروع ما بعد الحرب ينبغي ألا يتحول إلى ذريعة لاستمرارها. يمكن، بهذا المعنى، بناء أوسع اصطفاف ممكن لوقف الحرب مع إبقاء الصراع السياسي الديمقراطي مفتوحاً حول طبيعة الدولة والسلطة والاقتصاد ومسار الانتقال.
المسافة بين الحزب الشيوعي و«صمود» أقل في كثير من الأهداف المعلنة مما تبدو عليه في السجال السياسي. كلاهما يتحدث عن وقف الحرب، واستعادة الثورة، والدولة المدنية، وإصلاح المؤسسة العسكرية، والعدالة والمحاسبة. لكن الاختلاف يصبح أكثر وضوحاً عندما ننتقل من ماذا نريد؟ إلى كيف نصل إليه، وبأي ميزان للقوى؟ «صمود» تراهن بدرجة أكبر على جبهة مدنية وعملية سياسية تفاوضية تتفاعل مع طرفي الحرب والقوى الإقليمية والدولية، مع السعي إلى إكسابها عمقاً شعبياً. أما مبادرة الحزب الشيوعي فتراهن على إعادة بناء القوة الجماهيرية من أسفل بحيث تصبح هي الرافعة التي تفرض وقف الحرب وتسترد الثورة، ويصبح الدعم الخارجي عاملاً مساعداً لها. ويميل المقال إلى الطريق الثاني، لا لأن بناء القوة الجماهيرية أسهل؛ فالحرب جعلته بالغ الصعوبة، وإنما لأن أي سلام لا تسنده قوة اجتماعية مستقلة سيظل معرضاً لأن تحدد شروطه القوى الأكثر امتلاكاً للسلاح والمال والنفوذ. وفي النهاية تتجاوز المسألة كيفية إسكات البنادق إلى ما سيحدث في اليوم التالي. من سيقرر مصير الذهب والأرض والموانئ والموارد؟ من سيحدد أولويات إعادة الإعمار، ومن سيدفع كلفتها، ومن سيجني عائدها؟ وأين سيكون موقع ملايين السودانيين الذين شردتهم الحرب من القرار الذي يعيد بناء دولتهم؟ لهذا يبقى السؤال الجوهري: من يصنع السلام، ولصالح من، ومن يملك القوة التي تحدد شكل السودان الذي سيخرج من تحت ركام الحرب؟
سياسة
سياسة
ثقافة
سياسة