رحيل فني وموقف سياسي: قراءة نقدية في مسار الفنان محمد النصري


هذا الخبر بعنوان "النصري ينتحر.. وداعًا" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قد يغنّي الفنان للحبيبة فيسمع الناس الوطن، وقد يختار موقفاً فيسمع الناس ما لم يقله صوته. حين تتخاصم المواقف مع الأغنيات، لا تُحاكم النوايا وحدها، بل تُراجع الحكاية كلها. في الحادي عشر من سبتمبر 1973، ذهب المغني التشيلي فيكتور خارا إلى عمله في الجامعة بينما كانت بلاده تدخل ظلام الانقلاب العسكري، فاعتقله الجنود وعذّبوه وقتلوه ليصبح صوته جزءاً من ذاكرة شعبه. تضعنا هذه الحكاية أمام سؤال أزلي حول طبيعة الفن وما إذا كان مجرد نغمة تطرب الأذن أم موقفاً يترك أثراً في الضمير.
في السودان، لم تكن الأغنية الوطنية نشيداً يرفع لافتة السياسة فحسب؛ فقد غنّى محمد وردي كلمات محجوب شريف لتصبح نشيداً للانتفاضة ووعداً بمستقبل يليق بالناس مثل (يا شعباً لهبك ثوريتك) و(حنبنيهو). وحمل مصطفى سيد أحمد وأبو عركي البخيت ومحمد الأمين قصائد محجوب شريف وغيره، فامتزجت الأغنية بوجدان لا يفصل الجمال عن كرامة الإنسان، وتجاوزت الأعمال أصحابها لتصبح جزءاً من ذاكرة الحرية ومقاومة الاستبداد.
من هنا تبدأ حكاية محمد النصري؛ فلا ننكر موهبته ولا نتبرأ من أغانيه، لكننا نرفض أن تحول المحبة إلى شيك على بياض. للفنان حقه في الموقف، وللجمهور حقه في المحاسبة الأخلاقية وفي إعادة النظر. لم يبدأ النصري قصته السياسية حين ظهر أمام البرهان وتحدث عن خدمته في الفرقة التاسعة عشرة مشاة وإحالته إلى المعاش خلال الثورة، وقبل ذلك واجه انتقادات بسبب غنائه في حملات مدير جهاز الأمن الأسبق صلاح قوش عام 2019 وتداوله في حوار عام 2022، مما يضعنا أمام مسار قديم ومتكرر في لحظات التحول الوطني.
ما يضاعف التساؤل ليس الظهور أمام البرهان وحده بل المسافة بين المشهد والأغنيات التي حفظها الجمهور. خذوا حميد، محمد الحسن سالم، شاعر الناس والوطن، الذي كتب (سوقني معاك يا حمام) لينقل القصيدة من الشوق إلى السلام ويرفض الحرب ويستدعي الديمقراطية. وليس حميد وحده، فمحجوب شريف كتب للوطن وتفاصيل الحياة، والتيجاني سعيد حمل في (ارحل) غضباً لا تخطئه الأذن، ومحمد المكي إبراهيم صاغ في (أكتوبر الأخضر) ذاكرة انتفاضة أطلقت نافذة للحرية، وغنّى وردي (أصبح الصبح) ليصبح الصبح أبعد من مجرد وقت في النهار.
جوهر القضية أن النصري ليس أول أو آخر فنان يختلف الناس مع مواقفه، لكنه حين يؤدي قصائد كُتّاب ارتبطت أعمالهم بالحرية، فإنه يشارك في نقل تلك الكلمات إلى جمهور يمنحها وجدانه. ولنكن واضحين، نحن لا نطالبه أن يكون وردي أو أبو عركي أو مصطفى سيد أحمد، ولا نوزع شهادات الوطنية، لكننا نؤكد أن الأغنية السودانية حملت وجع المعتقل وحنين المنفي. نحب صوتك يا نصري وألحانك، لكننا أصحاب مبادئ ولن نساوم على الوطن وأشواقنا إلى الحرية والسلام والعدالة.
الانتحار في عنواننا هو مجاز عن خسارة رصيد من المحبة وليس حكماً على موهبة انتهت. تبقى للنصري صوته وأغنياته وجمهوره، وأما نحن فلن نضع حبنا للفنان فوق حقنا في السؤال. في جنوب أفريقيا، لم تكتفِ المغنية ميريام ماكيبا بحمل صوتها للمسارح بل جعلت شهرتها منبراً لمناهضة الفصل العنصري، وفي انتفاضة أبريل 1985 غنّى وردي لتلتقي الأغنية بوجدان لحظتها التاريخية. الفنان حر في اختيار موقفه، والجمهور حر في اختيار ماذا يفعل بصوته في ذاكرته، فالبلاد التي نريدها تستحق أن نخسر من أجلها ألف صوت ولا نخسر من أجل صوت واحد ضميرنا.
سياسة
ثقافة
ثقافة
سياسة