من يملك انتباهك؟ صناعة الانشغال وعصر الشاشات في عالم متسارع


هذا الخبر بعنوان "أشغلهم فقط!" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ أكثر من قرن، والعالم ينتقل من أزمة إلى أخرى، ومن حرب إلى أخرى، ومن وسيلة اتصال إلى أخرى. تتغير الخرائط والأسماء والأدوات، وتسقط دول وتصعد أخرى، وتتطور التكنولوجيا بسرعة مذهلة، لكن شيئاً واحداً يبدو أكثر حضوراً في حياة الإنسان المعاصر: إنه مشغول دائماً. مشغول بالحروب والسياسة والأسواق والأزمات الاقتصادية، ثم بالأخبار العاجلة والتحليلات والتوقعات. وحين يضع ذلك جانباً، تنتظره شاشة الهاتف بما لا ينتهي من الرسائل والصور ومقاطع الفيديو ومنصات التواصل الاجتماعي. ولذلك ربما لم يعد السؤال: بماذا ننشغل؟ بل أصبح: من يحدد ما يشغلنا؟ ولماذا؟ ومن المستفيد من وقتنا وانتباهنا؟ إنها أسئلة تستحق التفكير، لأن الوقت الذي نمنحه لأي شيء ليس مجرد وقت؛ إنه جزء من أعمارنا.
شكّلت اتفاقية سايكس–بيكو في 16 مايو 1916 بين بريطانيا وفرنسا إحدى العلامات الكبرى في تاريخ إعادة رسم مناطق النفوذ في الشرق الأوسط، في مرحلة الحرب العالمية الأولى وما ارتبط بها لاحقاً من انهيار الدولة العثمانية. لم تكن المسألة مجرد خطوط ترسم على الخرائط، وإنما كانت تعبيراً عن عالم تحكمه المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية للقوى الكبرى. ومنذ ذلك الوقت تغير العالم كثيراً، لكن الصراع على المصالح والنفوذ لم يتوقف. الذي تغير هو الأدوات، حيث أصبحت السياسة أكثر تداخلاً مع الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا، وأصبح الإنسان نفسه جزءاً من هذه المنظومة.
تكاد كل مرحلة من حياتنا ترتبط بحرب أو أزمة استحوذت على اهتمام العالم، وتبقى القضية الفلسطينية واحدة من أطول هذه القضايا وأكثرها حضوراً في الوعي. ثم جاءت حروب وأزمات أخرى مثل الحرب الروسية–الأوكرانية في 24 فبراير 2022، ومأساة السودان في 15 أبريل 2023 عندما اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. ولا تشكل المشكلة في اهتمامنا بالحروب، بل عندما يتحول الاهتمام إلى استهلاك يومي للمأساة من دون معرفة أعمق.
في الماضي كان الإنسان يعرف عن الحروب بعد وقوعها بساعات أو أيام، أما اليوم فنحن نشاهد الحرب لحظة وقوعها عبر الشاشات المفتوحة باستمرار، مما يؤثر على عقل الإنسان ومشاعره. وفي المقابل، لا يمكن إنكار فضل التكنولوجيا في اختصار المسافات وتسهيل الوصول إلى المعرفة، إلا أن الهاتف المحمول أصبح واحداً من أكبر مستهلكي وقت الإنسان واهتمامه في ظل ما يُعرف باقتصاد الانتباه.
في الاقتصاد الرقمي، تتنافس المنصات على انتباه الإنسان ليظل مدة أطول أمام الشاشة، مما يفقده تدريجياً القدرة على اختيار ما يستحق انتباهه ويهدد وقوفه أمام وقت الفراغ والهدوء الذي يحتاجه العقل للإبداع. ولذلك، فإن استعادة الحق في الوقت واختيار ما يستحق اهتمامنا هو السبيل الوحيد للحفاظ على حريتنا الإنسانية وسط هذا التدفق المستمر للأخبار.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات