السودان
سياسة

مفهوم الوعي الكاذب وأثره على الأزمة السودانية الراهنة

سودان تربيون١٧ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٠٣ م0 مشاهدة
مفهوم الوعي الكاذب وأثره على الأزمة السودانية الراهنة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الوعي الكاذب" نشر أولاً على موقع سودان تربيون وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا أدري إن كانت فكرة «الوعي الكاذب» قد تلاقت مصادفةً مع فكرة «الحمل الكاذب»، أم أن بينهما صلة أعمق تختزنها الذاكرة الإنسانية منذ أقدم العصور. ففي الحالتين يبدو الشيء موجوداً، بينما الحقيقة في مكان آخر؛ الجسد يتوهم حياة لم تتكوّن، والعقل قد يتوهم حقيقة لم يختبرها. ولعل السراب هو أقرب صورة للوعي الكاذب: يراه العطشان ماءً، فيمضي نحوه‌ بثقة، وكلما اقترب ابتعد عنه، حتى يكتشف، بعد أن يكون قد استنفد قواه، أنه كان يطارد وهماً.

وهنا تكمن خطورة الوعي الكاذب: ليس لأنه يبدأ دائماً من فكرة خاطئة، بل لأنه قد يبدأ من فكرة صحيحة، ثم يقودها إلى الطريق الخطأ. فالديمقراطية فكرة صحيحة، والحرية قيمة إنسانية، والحكم المدني مطلب مشروع، ودولة المؤسسات ضرورة لا غنى عنها. لكن السؤال الذي كثيراً ما يغيب هو: كيف نصل إلى هذه الغايات دون أن نهدم في الطريق الدولة التي نريد أن نبنيها؟ هذه هي المفارقة التي تستحق التأمل في الحالة السودانية.

فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 جاءت في سياق صراع رُفعت فيه شعارات الديمقراطية والمدنية وإعادة بناء الدولة. وهي مفاهيم لا يختلف الناس كثيراً حول قيمتها في ذاتها. لكن الخلاف كان، وما يزال، حول وسائل تحقيقها، وترتيب الأولويات، ومن يدير عملية الانتقال، وكيف يمكن الوصول إلى الدولة المدنية دون أن تتحول المعركة السياسية إلى تهديد لوحدة البلاد وسيادتها وسلامة مجتمعها.

أما حرب اليوم، فقد أخذت منحى يصعب على العقل السوداني استيعابه، حتى بات السؤال يتجاوز حدود السودان: كيف يمكن لحرب داخلية أن تتحول إلى هذا المشهد العبثي من التدخلات الخارجية؟ غرف عمليات تُدار من عواصم بعيدة، وحدود تُفتح لتتدفق عبرها الأسلحة والمقاتلون، ومرتزقة يعبرون القارات، وخبراء عسكريون وطيارون من جنسيات متعددة، حتى أصبح السودان ساحة مفتوحة لحرب تتجاوز أطرافها وحدوده.

حين ينتصر المبدأ على الوسيلة نأخذ تجربة نلسون مانديلا خير مثال وابلغ دلالة. أمضى مانديلا سبعةً وعشرين عاماً خلف القضبان دفاعاً عن الحرية وإنهاء نظام الفصل العنصري، واختار مبدأ سلامة الأوطان وصون سيادته دون أن يتراجع عن قضيته. والوعي الحقيقي يتمسك بالغاية، لكنه لا يقدّس الوسيلة، بينما الوعي الكاذب يحول الوسيلة إلى عقيدة، ثم يجعل التخلي عنها خيانة.

شارك الخبر: