السودان
ثقافة

رحلات الذاكرة والتنوع الإنساني في سرديات الزاكي عبد الحميد أحمد

التغيير١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٠ ص0 مشاهدة
رحلات الذاكرة والتنوع الإنساني في سرديات الزاكي عبد الحميد أحمد

تنويه

هذا الخبر بعنوان "سرديات" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أُقِرُّ شاكراً أن جلستَي مع رجل مسيحي في ذلك الأصيل، قرّبتني أكثر إلى سورة أهل الكهف، فبتُّ اواظب على قراءتها بعد صلاة الفجر من يوم الجمعة كل أسبوع. قارنت بتروٍ ما قالته قصيدة الشاعر الألماني عن فتية الكهف مع ما يقوله الذكر الحكيم؛ فتبين لي بوضوح الفرق بين سرد وضعي يتحكم في وجهته الخيال؛ وسرد إلهي واقعي بعظاته وعبره؛ تؤطره دقة التصوير ودقة المعاني.

كثيراً ما كنتُ أروِّض صهد الغربة وهجيرَها باللجوء إلى شاطيء بحر العرب الذي يربط عمان بمضيق هرمز. التأمل في البحر واسراره كان يريحني. ثم كان هو.. نيجيري طويل القامة. حيّاني ثم جلس إلى جواري على الشاطيء.. كان يحمل كتاباً، فسألته عنه، بحثا عن مدخل للحديث مع هذا الرجل، الذي كان يلفت نظري إليه بطوله الفارع وضخامته متى التقيته، من على البعد؛ في الشركة التي نعمل فيها. الكتاب حمل عنوانا يقول: The Seven Sleepers of Ephesus.. أي: نُوَّم إفيسس السبعة؛ هو في الحقيقة قصيدة لشاعر ألماني اسمه Johann Wolfgang Von Goethe.

قال لي إنه زار هذا الموقع في الأردن وحين حكى لي عن تفاصيل زيارته تلك عرفت أنه يقصد كهف الرقيم الذي آوى إليه الفتية كما جاء في محكم التنزيل. عن أهل الكهف كانت قصيدة الشاعر الالماني ولكن بالتعويل على التفسير المسيحي. كانت تلك بداية معرفتي بهذا النيجيري والتي تطورت لاحقاً إلى صداقة. يجب أن نواجهَ الحياةَ كما هي، وأن نفهمَ أن التنوعَ هو أهمُّ سماتِها. القائلة هي ماري باركر فوليت، سيدة أمريكية تعد صاحبة أكثر نظرية فعالة في إدارة التنوع.

جيمس اوغانغو نيجيري، يشغل منصب مدير ضبط الجودة في شركة النفط التي اعمل فيها. ومع أنه مهندس متخصص، إلا أن جيمس كثيراً ما كان يؤانسني عن الادب النيجيري إذا جلسنا ساعة الغداء على طاولة واحدة. حدثني كثيرا عن أيقونة السرد الأفريقي شينو أشيبي الروائي النيجيري؛ صاحب أشياء تتداعى وهجومه على جوزيف كونراد في رواية قلب الظلام والتي درستها ضمن منهج الأدب الانجليزي في جامعة الخرطوم.

في أحد الأيام جاء جيمس إلى المطعم متأخرا، واصطدم بمقعد خال وهوى على الأرض وسط ضحك وهرج، فساعدتُه على النهوض ولم يتناول غداءه في ذلك اليوم. استدعى ذلك في خاطري أبيات شاعرنا الكبير محمد المكي ابراهيم، وتذكرت جزيرة الفيل وعراقتها، ذلك الحي في مدينة ود مدني الذي استمد اسمه من فيل كان يجوب تلك الأماكن. تذكرت زيارتي هناك مع والدي رحمه الله، ورائحة عود الند في صالون الحلاقة، وتذكرت لاحقا خلال رحلتي إلى الهند وتحديداً في فندق كانيشكا في العاصمة الهندية دلهي ومن ثم كشمير، كيف أن رائحة عود الند أعادتني إلى ذلك الصباح الخريفي بكل تفاصيله، بما في ذلك الحلاق ذو الساق المعطوبة.

الرّواقيون يقولون إن الطريق إلى الراحة الدائمة يكون بتقبل الحاضر، وكبحِ النفس من الانقياد وراء اللذة أو الخوف من الالم عبر مشورة العقل. يقول رائد الفلسفة الرواقية Marcus Aurelius إن سنابل القمح المائلة، وجبينَ الأسد ذو الاخاديد، والزبدَ الذي يحفّ افواهَ الخنازير البرية وأشياءَ أخرى كثيرة، تضفي جمالاً على الطبيعة. ذلك الحلاق ذو الساق المعطوبة هل ازدريتُه؟ ربما! لم اكن ادري في تلك المرحلة أن الحقيقةَ امرٌ نسبي، وأن الجمالَ يشبه قوسَ قزح في تعدد الوانه.

عرفت ذلك بعد أن كبرت واغتربت، وعرفته يوم سقط جيمس على الأرض محدثا جلبة في قاعة الطعام. فسقوطه وما أحدثه من استهجان كانا سببا في تبني الشركة التي تستوعب أكثر من ثمانية آلاف موظف يمثلون 64 جنسية، سياسة التنوع والاندماج، والمرجع الاساسي لتفعيل هذه السياسة هو ما وضعته ماري باركر فوليت من نظريات ومعايير.

شارك الخبر: