سياسات جبريل الضريبية: كيف تحولت المالية العامة في السودان إلى أداة لاستنزاف الفقراء؟


هذا الخبر بعنوان "جبريل والضرائب: حين تتحول المالية العامة إلى أداة لاستنزاف الفقراء" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار إعلان وزير مالية حكومة الأمر الواقع، د. جبريل إبراهيم، عبر صفحة وزارة المالية على فيسبوك بشأن أداء ديوان الضرائب جدلاً واسعاً. فقد وجّه الوزير بتوسيع المظلة الضريبية أفقياً عبر إدخال قطاعات جديدة، مع التأكيد على عدم زيادة النسب، إلى جانب التوسع في الفوترة الإلكترونية، واستكمال مشروعات الحوسبة والتحول الرقمي، وإطلاق منظومة «المفتش الإلكتروني»، وربط الأنظمة المالية الحكومية، وتفعيل قوانين مكافحة التهرب الضريبي.
في دولة مستقرة، قد يُنظر إلى هذا الخطاب باعتباره إصلاحاً إدارياً مطلوباً، لكن صدوره في بلد أنهكته الحرب، ودُمّرت فيه الأسواق والمصانع والمزارع، وفقدت فيه ملايين الأسر مصادر دخلها ومساكنها ومدخراتها، يكشف عن فجوة واسعة بين لغة السلطة وواقع المواطنين. فبينما تتحدث الوزارة عن تطوير وسائل التحصيل، يتحدث الناس عن الجوع والنزوح وارتفاع الأسعار وانهيار العملة وتعدد الرسوم والجبايات.
وأمام حديث الوزير عن توسيع المظلة الضريبية، يبرز السؤال البديهي: كيف يمكن توسيعها في بلد يعيش فيه نحو 90% من السكان تحت خط الفقر أو على حافته؟ ومن هم الذين ستطالهم فعلياً؟ هل هم الشركات الكبرى وأصحاب الامتيازات، أم التجار الصغار وأصحاب المهن الهامشية وسائقو الشاحنات والعائدون الذين يحاولون إعادة بناء حياتهم؟
ورغم عدم ارتفاع النسبة الضريبية المعلنة، إلا أن العبء الفعلي يرتفع عبر إدخال قطاعات جديدة إلى الوعاء الضريبي وتكثيف التحصيل. وفي اقتصاد منهار، لا تعني النسبة الثابتة عبئاً ثابتاً، لأن دخل المواطن انخفض بينما ارتفعت تكلفة الغذاء والنقل والسكن، مما يجعل فرض الرسوم على مجرد الحركة أو محاولة فتح متجر صغير جباية للخسارة لا تحصيلاً من الإنتاج.
ولا تكمن المشكلة في الفوترة الإلكترونية أو التحول الرقمي من حيث المبدأ، بل في غياب السياسات الاجتماعية وانهيار الإنتاج. فالسؤال الأهم هو أين تذهب الأموال بعد جمعها؟ هل تُنفق على الغذاء والدواء والصحة والتعليم وإعادة الإعمار، أم تُوجّه إلى استمرار الحرب وتغطية عجز السلطة؟
إن العدالة الضريبية تبدأ من القدرة على الدفع والتمييز بين من يملك الثروة ومن يحاول البقاء، وليست في تحويل الرقمنة إلى أداة لمضاعفة التحصيل من صغار المنتجين والتجار. ويحتاج الاقتصاد السوداني إلى سياسات مالية تخفف الضغط عن المجتمع، عبر إعفاء العائدين والمناطق المتضررة من الحرب، وتوحيد الرسوم، ومكافحة الفساد، وتوجيه الموارد نحو إنقاذ المجتمع وإعادة بناء الاقتصاد.
سياسة
عاجل
اقتصاد
اقتصاد