النفوذ السعودي في السودان والقرن الأفريقي: محفز للصراع أم عامل استقرار؟


هذا الخبر بعنوان "ارتدادات النفوذ.. كيف ساهمت التحركات السعودية في تأجيج الصراع بالسودان والقرن الإفريقي؟" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد الحرب السودانية مجرد صراع داخلي على السلطة والسلاح؛ فامتدادها الزمني، وموقع السودان المطل على البحر الأحمر، وتداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية، جعلتها جزءاً من معادلة أوسع تتصل بأمن الممرات البحرية، وتوازنات القرن الأفريقي، والتنافس على النفوذ في المنطقة.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز الدور السعودي بوصفه أحد أكثر الملفات إثارة للأسئلة. فالمملكة التي استضافت، بالشراكة مع الولايات المتحدة، مفاوضات جدة في مايو 2023 سعياً إلى وقف القتال وحماية المدنيين، ظهرت لاحقاً في تقارير وتحليلات بوصفها داعم للجيش السوداني، في وقت كانت فيه مسارات التسوية تتعثر، وتتزايد المؤشرات على أن الحرب باتت ساحة تنافس إقليمي أصبحت فيه الرياض حاضرة مع الدور المصري والتركي وامتدادات الصراع إلى إريتريا وإثيوبيا.
وتحولت الاستراتيجية السعودية في حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى عامل إرباك متزايد للمنطقة بدلاً من تحقيق الاستقرار والسيطرة المأمولة، حيث أدت التدخلات والسياسات الإقليمية للرياض إلى نتائج عكسية ضاعفت من حدة الاضطرابات ووسعت دائرة الأزمات. حيث تتجلى هذه النتائج العكسية في الملف اليمني الذي تحول من تدخل عسكري لإعادة الشرعية إلى تهديد مباشر للداخل السعودي؛ إذ تمكنت جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) من استهداف المطارات والمنشآت الحيوية داخل المملكة، وفرض معادلة أمنية جديدة في مضيق “باب المندب” هزت أمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد.
وتمتد آثار هذا الإخفاق الأمني والجيوسياسي لتلقي بظلالها على الضفة الغربية للبحر الأحمر، حيث تتقاطع التحركات والتكتلات السعودية مع انفجار الحرب الدامية في السودان، وتغذية حالة الاستقطاب والتنافس العسكري في الصومال، فضلاً عن تأجيج الهواجس الإثيوبية وتداخل الصراع مع حرب إقليم “تغراي” والترتيبات الأمنية في إريتريا. ونتج عن هذه المقاربة السعودية قوس ممتد من الاضطرابات والتصعيد الإقليمي بدأ من اليمن مروراً بالسودان والصومال وصولاً إلى الهضبة الإثيوبية، مما يعيد تشكيل البحر الأحمر كساحة صراع مفتوحة تضعف فرص التهدئة وتنسف رهانات الأمان الساحلي.
تعقيدات الصراع في السودان
وبعد فشل منبر جدة لم تتمكن الوساطة من تحويل التعهدات إلى وقف مستدام للحرب. ومع مرور الوقت، انتقل السؤال من قدرة الرياض على جمع الطرفين إلى طبيعة النفوذ وإشعال استمرار الحرب بدعمها للجيش السوداني الذي أصبح يرفض الدخول في أي هدنة بعد الدعم السعودي الذي رجح كفته في الميدان مؤخراً. وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن لدولة تؤدي دور الوسيط أن تصبح، في الوقت نفسه، طرفاً مؤثراً في موازين القوة بين المتحاربين؟ وهل ترى الرياض أن دعم الجيش هو الطريق الأقصر لاستعادة الاستقرار، أم أن تطورات الحرب دفعتها إلى إعادة حساباتها بشأن الطرف القادر على حماية مصالحها؟.
اختبار السياسة السعودية في اليمن
لا يقتصر اختبار السياسة السعودية في إدارة الصراعات الإقليمية على السودان. ففي اليمن، خاضت المملكة منذ مارس 2015 تدخلاً عسكرياً واسعاً ضمن تحالف عربي، معلنة أن هدفه دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء وتقدمهم نحو مناطق أخرى من البلاد. ومع امتداد الحرب، تحولت الساحة اليمنية إلى نموذج واضح لتداخل الأهداف العسكرية والسياسية والأمنية، ولصعوبة الفصل بين دور الدولة التي تقود تدخلاً عسكرياً ودورها اللاحق في الوساطة والتفاوض. وفي هذا السياق، برز حزب التجمع اليمني للإصلاح بوصفه أحد الأطراف السياسية التي تقاطعت مصالحها مع الرياض في مواجهة الحوثيين. والحزب، الذي يضم تيارات وشخصيات ذات خلفيات إسلامية وقبلية وسياسية متنوعة، تربطه علاقات تاريخية بالسعودية، تعززت بعد اندلاع الحرب. ووفق تحليل نشره “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” في يوليو 2021، كان الإصلاح من أوائل القوى السياسية اليمنية التي أعلنت دعم التدخل السعودي، كما استضافت المملكة عدداً من قياداته، وشارك أعضاء وأنصار الحزب في المقاومة المسلحة ضد الحوثيين في عدد من المناطق، بينها تعز. حيث تتجلى حدود النفوذ السعودي في المنطقة عبر تراجع القدرة على حسم الملف اليمني وإرساء استقرار مستدام فيه، مما انعكس مباشرة على أمن المملكة واهتزاز المعادلة الإقليمية في حوض البحر الأحمر. وتسبب استمرار الصراع في اليمن وتصاعد قدرات جماعة «أنصار الله» (الحوثيين) في نقل التهديد إلى الداخل السعودي عبر الهجمات بالمسيرات والصواريخ التي استهدفت المطارات والمنشآت الحيوية والأهمية الاقتصادية، ممّا كشف صعوبة تحويل التدخل العسكري إلى ترتيبات أمنية مأمونة للمملكة.
ينعكس هذا الإخفاق الأمني في تعميق حالة عدم الاستقرار الإقليمي ويمتد تأثيره من اليمن إلى الضفة الغربية للبحر الأحمر؛ حيث يتشابك اضطراب الملاحة في مضيق «باب المندب» مع انفجار الحرب في السودان وتصاعد التنافس الجيوسياسي في القرن الأفريقي.
تشكيل حلف عريض
وفي 30 يوليو 2026، استضافت وزارة الدفاع السعودية اجتماعاً بشأن مبادرة لإنشاء تحالف دفاع بحري متعدد الجنسيات. ووفقاً للإعلان المنشور، وقعت 14 دولة الإعلان التأسيسي، بينها السعودية ومصر وتركيا وباكستان والسودان وجيبوتي والصومال واليمن، إلى جانب دول أخرى. وقدمت المبادرة نفسها بوصفها إطاراً لتعزيز التعاون وحماية الملاحة والممرات البحرية. وتكشف قائمة المشاركين عن محاولة لبناء شبكة تعاون تضم دولاً عربية وأفريقية وآسيوية، بعضها يملك سواحل على البحر الأحمر أو خليج عدن، وبعضها يرتبط بأمن الممرات البحرية ومحيطها.
وتتوزع أدوار الصراع في حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي لتشكل خريطة تحالفات نفوذ تقودها المملكة العربية السعودية للسيطرة على المشهد الأمني وحماية الملاحة الدولية، عبر إنشاء طوق جيوسياسي يمتد من الرياض والقاهرة وصولاً إلى أسمرة ومقديشو، ويرتبط مباشرة بالعمق الميداني في اليمن. ويدفع التدخل العسكري والتورط السعودي الممتد في اليمن منذ سنوات بنحو تأمين الشريط الساحلي اليمني وحماية مضيق “باب المندب” من التهديدات الحوثية، حيث تسعى الرياض للحد من النفوذ الإيراني وحظر تحول الموانئ اليمنية مثل “الحديدة” و”الصليف” إلى منصات لاستهداف حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
حضور مصري ومخاوف إثيوبية
تتكامل هذه الأهداف السعودية مع الحضور المصري الفاعل، حيث يساهم التنسيق بين البلدين ومشاركة القوات البحرية المصرية في التحالف باليمن في حماية السواحل الجنوبية وتأمين الممر المائي المؤدي إلى قناة السويس، منعاً لأي تهديدات إستراتيجية تمس الأمن القومي للدولتين. وتأتي زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي الأخيرة إلى القاهرة لتترجم هذا المسار؛ إذ تتقاطع المصالح المصرية والإريترية مع التوجهات السعودية لتطوير البنية اللوجستية وتأمين موانئ أسمرة، ممّا يغلق الثغرات البحرية الممتدة قبالة الساحل اليمني ويُحكم الرقابة على حركة السفن.
وتتوسع السعودية بالتوازي نحو مقديشو عبر تقديم الدعم الأمني والعسكري للحكومة الفيدرالية الصومالية وتعزيز حضورها في خليج عدن، مما يدخل الصومال طرفاً أساسياً في هذا التكتل البحري المناهض للمشاريع والتمددات الإقليمية المنافسة. حيث تثير هذه التفاهمات بين السعودية ومصر وإريتريا والصومال هواجس أديس أبابا، إذ ترى إثيوبيا في هذا الطوق البحري المكتمل كبحاً لطموحاتها في الوصول إلى منفذ بحري سيادي دائم في البحر الأحمر، ومحاولة لإبقائها دولة حبيسة ومطوقة بحلفاء أوفياء للتحالف العربي والإفريقي.
حيث ترتبط هذه الهواجس بالاتهامات الإثيوبية الموجهة للقاهرة بدعم جبهة «تغراي» عبر الأراضي السودانية، حيث تعتقد أديس أبابا أن التحركات المصرية والبحرية تهدف إلى الضغط عليها في ملف سد النهضة واستغلال الأزمات الداخلية والصراعات الحدودية لتطويق أمنها القومي. وتتداخل هذه المعادلة مع الأزمة الدائرة في السودان، إذ يحرص حلفاء البحر الأحمر على منع تحول الساحل السوداني والمناطق الحدودية المتاخمة لإقليم “تغراي” إلى ثغرة أمنية تُستغل لإرباك توازنات أمن الملاحة الدولية وإعادة ترتيب نفوذ المنطقة.
إريتريا وإثيوبيا.. امتداد الحسابات إلى القرن الأفريقي
تزداد الصورة تعقيداً عند الانتقال إلى إريتريا وإثيوبيا. فإريتريا تطل على البحر الأحمر وتملك موانئ استراتيجية، أبرزها عصب ومصوع، بينما أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة بعد استقلال إريتريا، وتعتمد على منافذ بحرية في دول الجوار، وفي مقدمتها جيبوتي. ويجعل هذا التباين الجغرافي أمن الموانئ والطرق البحرية جزءاً من الحسابات الاستراتيجية للدولتين. وتتقاطع هذه الجغرافيا مع الخلافات السياسية والأمنية في القرن الأفريقي، ومع التنافس حول النفوذ في البحر الأحمر، فضلاً عن الخلاف المصري الإثيوبي بشأن سد النهضة ومياه النيل. وفي هذا السياق، يمكن أن يكتسب أي تقارب سعودي مع إريتريا أو تنسيق أمني معها أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، خاصة إذا ارتبط بتطورات في السودان أو ترتيبات لحماية الملاحة. وتطرح هذه المعطيات احتمال أن تتقاطع مصالح السعودية ومصر وإريتريا في بعض الملفات المتعلقة بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
تقاطعات الرياض ومقديشو
ومؤخراً كثرت الاتهامات للسعودية بشأن التمدد والتدخل الإقليمي واتُهمت الرياض أيضا بالإشراف على تدريب أكثر من 5000 مقاتل صومالي في منطقة غوري جبل في إقليم غالجود الصومالي، باستخدام مرتزقة أجانب يُزعم أنهم جُلبوا من رومانيا وأوكرانيا وجنوب إفريقيا وكولومبيا. وبحسب التقارير العسكرية والإعلامية، فإن برنامج التدريب الذي يستمر تسعة أشهر يشمل 5107 مجندين صوماليين، من بينهم حوالي 2000 من المنطقة الشمالية الشرقية للبلاد، وتشير المزاعم إلى تمويل مباشرة من قبل المملكة العربية السعودية بعد زيارة قام بها وفد عسكري سعودي في أواخر يونيو الماضي. ويأتي هذا الجدل عقب توقيع اتفاقية التعاون العسكري والدفاعي المشترك بين وزير الدفاع الصومالي ونظيره السعودي في الرياض. وترى بعض الجهات المناوئة للتحالف أن هذا البرنامج قد يُمهد لنقل مقاتلين أو استخدامهم في ساحات صراع أخرى كالبلد الجار السودان، وهو ما تراه الرياض ومقديشو مجرد تنسيق رسمي لرفع كفاءة الجيش الصومالي في مواجهة حركة الشباب الإرهابية. ومن هنا، يصبح السؤال الأوسع: هل تسعى السعودية إلى بناء محيط إقليمي تكون فيه الحكومات والمؤسسات القادرة على ضبط أراضيها وتأمين السواحل شريكاً أساسياً في أمن البحر الأحمر؟ أم أن تنافس القوى الإقليمية على الحلفاء المحليين قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى إضعاف المؤسسات وتعدد مراكز القوة، بما يجعل تحقيق الاستقرار أكثر صعوبة؟ وتظل الإجابة مرتبطة بطبيعة السياسات المتبعة ونتائجها الفعلية، لا بمجرد إعلان أهدافها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة