من آمال أكتوبر 2020 إلى واقع السودان المرير في أكتوبر 2026: ست سنوات من التراجع


هذا الخبر بعنوان "من بشريات أكتوبر 2020 إلى السقوط الحر في أكتوبر 2026" نشر أولاً على موقع سودان تربيون وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
الرأي
من بشريات أكتوبر 2020 إلى السقوط الحر في أكتوبر 2026
21 أكتوبر 2026
في الرأي
0
صورة تعبيرية
د. سليمان علي
أين كنا وأين وصلنا؟ ستة أعوام تفصل بين الأمل الذي كان يحدو السودان، والواقع الذي يواجهه السودانيون اليوم بالفقر والعجز وفقدان اليقين الوطني. في العشرين من أكتوبر 2020، ونحن نستقبل ذكرى الحادي والعشرين من أكتوبر، كنا نرى في الأفق ملامح وطن يستعيد أنفاسه بعد عقود من الاختناق والعقوبات الدولية.
كان الانتقال منصة جديدة للبناء القومي
في ذلك الوقت، كان السودان يخطو خطواته الأولى في مرحلة انتقالية مليئة بالتحديات، لكنه كان يمتلك شيئًا جوهريًا: الأمل في أن تكون الثورة بداية لتأسيس دولة جديدة، وأن تتحول تضحيات الشهداء إلى واقع ملموس في حياة الناس. كانت كلمات ذلك اليوم تحمل نشوة الانتصار: «يا أكتوبر الأرض تغني وباسمك الشعب انتصر، وحائط السجن انكسر». وشكلت إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب علامة فارقة، باعتبارها نافذة للخروج من العزلة الدولية، واستعادة العلاقات الاقتصادية، وفتح الطريق أمام فرص جديدة للتعافي.
لم يكن السودان في عام 2020 دولة مكتملة العافية، وكانت الأزمات المعيشية والتضخم حاضرين بقوة. لكن الفارق كان يتمثل في وجود فرصة سياسية للانتقال، وتوقعات بإصلاح المؤسسات، واستعادة الإنتاج، وبناء اقتصاد يخدم المواطنين.
أما اليوم، في أكتوبر 2026، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف وصلنا إلى هنا؟ ستة أعوام كانت كافية لتكشف المسافة الهائلة بين الوعود والواقع. تدهورت الحالة الوطنية إلى مستوى سحيق، وتآكلت القدرة الشرائية للعملة، وأصبحت الدخول التي كانت توفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة عاجزة عن ملاحقة الأسعار. فقد الناس قيمة جهدهم، وأصبحت المرتبات أرقامًا على الورق لا تعكس قدرة حقيقية على توفير الاحتياجات الأساسية. لم تعد الأزمة مجرد ارتفاع في الأسعار أو انخفاض في سعر العملة، بل هي أزمة اقتصاد فقد قدرته على حماية قيمة العمل، وأزمة دولة تراجعت قدرتها على تنظيم النشاط الاقتصادي وتوفير الخدمات.
حين يعمل الإنسان شهرًا كاملًا ثم يكتشف أن ما يتقاضاه لا يكفي احتياجات أسرته الأساسية، فإن الخلل يتجاوز ميزانية الأسرة إلى بنية الاقتصاد والسياسات التي تحكمه. وفي الوقت الذي كان يفترض أن تتجه فيه البلاد إلى توسيع الإنتاج الزراعي والصناعي، وتطوير البنية التحتية، اتسعت دائرة الفشل والانكماش الاقتصادي.
الحرب وعوامل سابقة لها تتحمل ما يجري الآن؟
لقد انتقل السودان من سؤال كيفية استثمار الفرصة التي أتاحها الانفتاح الدولي، إلى سؤال كيفية حماية ما تبقى من مقومات الحياة. وبين السؤالين ضاعت سنوات ثمينة، وتراكمت الأزمات، وانفتح الباب أمام حرب مدمرة لم تكتفِ بإيقاف مسار الانتقال، بل ألحقت أضرارًا واسعة بالمؤسسات والأسواق وسبل العيش، ودفعت ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء.
ومع ذلك، فإن اختزال كل ما حدث في الحرب وحدها لا يقدم تفسيرًا كاملًا للمأساة. فالحرب كانت عاملًا مدمرًا ومسرّعًا للانهيار، لكنها جاءت فوق أرضية من هشاشة المؤسسات، وأزمة الحكم، وضعف بناء التوافق الوطني، وتعثر الإصلاح الاقتصادي. هنا تكمن المأساة الحقيقية: لم تكن المشكلة في غياب الموارد، فالسودان بلد واسع الإمكانات، وإنما كانت المشكلة، ولا تزال، في كيفية إدارة هذه الموارد، وفي طبيعة السلطة التي تتحكم فيها، وفي غياب مشروع وطني يجعل الإنتاج أولوية.
كان السودان في أكتوبر 2020 يتطلع إلى كسر العزلة، واستعادة موقعه في المجتمع الدولي، وفتح الطريق أمام التعافي الاقتصادي. أما في أكتوبر 2026، فإن السودانيين يواجهون تحديات البقاء، ويبحثون عن الأمن والغذاء والدواء ومصادر الرزق. كان الأمل أن تنكسر جدران العزلة، وأن تتسع أمام البلاد أبواب المستقبل. لكن ما حدث أن جدرانًا أخرى ارتفعت: جدران الحرب، والانقسام، والفقر، وانعدام الثقة.
ولعل أكثر ما يستحق المراجعة اليوم هو أن إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب لم تكن، في حد ذاتها، مشروعًا للنهضة، بل كانت فرصة تحتاج إلى رؤية اقتصادية، واستقرار سياسي، ومؤسسات قادرة على تحويل الانفتاح الدولي إلى إنتاج وفرص عمل. فالانفتاح لا يبني دولة بمفرده، ورفع القيود لا يعوض غياب السياسات.
كيف نضع الوطن في منصة انطلاق جديدة؟
إن استعادة الوطن، تحتاج إلى مشروع وطني طموح يعيد تعريف أولويات الدولة: حماية الإنسان، واستعادة المؤسسات، وإحياء الإنتاج، وإصلاح النظام المالي، وإعادة بناء الخدمات، وتوزيع السلطة والثروة بعدالة. وتحتاج هذه المهمة إلى مراجعة شجاعة لتجربة السنوات الماضية، لا بهدف تبادل الاتهامات، وإنما لتحديد المسؤوليات ولفهم كيف تحولت فرصة تاريخية إلى مأساة وطنية.
أكتوبر ليس مجرد ذكرى في التقويم السياسي السوداني، بل هو سؤال متجدد عن معنى الثورة، وعن العلاقة بين تضحيات الشعب والنتائج التي يجنيها. وإذا كانت أكتوبر 1964 قد حملت وعدًا بالخلاص من الاستبداد، وكانت ديسمبر 2018 تعبيرًا عن تطلع جيل جديد إلى الحرية والسلام والعدالة، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نمنع تحول هذه التضحيات إلى مجرد صفحات في تاريخ وطن أضاع فرصه.
كان الحلم أن ينتقل السودان من العزلة إلى الانفتاح، ومن الاستبداد إلى الحكم المدني، ومن اقتصاد الأزمات إلى اقتصاد الإنتاج. واليوم، بعد ستة أعوام، نقف أمام سؤال أشد إيلامًا: كيف نحول ما تبقى من الوطن إلى بداية جديدة؟
إن السودان لا يحتاج إلى استعادة صور أكتوبر 2020 وحدها، بل إلى استعادة المعنى الذي جعل السودانيين يؤمنون بأن التغيير ممكن. يحتاج إلى دولة لا تهدر قيمة العمل، ولا تبدد الموارد، ولا تجعل المواطن يدفع ثمن فشل النخب وصراعاتها. يحتاج إلى مشروع وطني يتجاوز الحرب، ويؤسس لسلام مستدام، واقتصاد منتج، وعدالة في توزيع السلطة والثروة، ومؤسسات تحمي الجميع دون استثناء.
فالمجد للشهداء لا يكون بترديد أسمائهم فحسب، وإنما ببناء الوطن الذي استشهدوا من أجله. والتقدم لا يقاس بما نعلنه من انتصارات، بل بما يستعيده المواطن من أمن وكرامة وقدرة على العيش. أكتوبر الذي غنّى له السودان بالأمس، يجب أن يكون اليوم مناسبة لمراجعة المسار، ومواجهة الحقيقة، واستعادة الوطن من قبضة الحرب والفشل والانقسام. فالسؤال الجوهري اليوم: هل نملك الإرادة لبناء سودان جديد؟
اقتصاد
سياسة
سياسة
سياسة