العصا البيضاء في السودان ما بعد الحرب: صراع الوعي وصمود الأمل


هذا الخبر بعنوان "العصا البيضاء في السودان ما بعد الحرب: وعيٌ ينزف وأملٌ يقاوم" نشر أولاً على موقع سودان تربيون وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الخامس عشر من أكتوبر من كل عام، يتوقف العالم للتأمل في العصا البيضاء، رمز الاستقلال والكرامة لمن فقدوا نعمة البصر. لكن في السودان، الذي مزقته الحرب، تحمل هذه المناسبة هذا العام عبئاً أثقل. فالعصا البيضاء لم تعد مجرد رمز، بل أصبحت شاهداً على مأساة إنسانية عميقة، وامتحاناً قاسياً لوعي مجتمع أنهكته المعاناة.
عندما انكسرت العصا في زحام الحرب، كان المكفوفون في السودان الأكثر عجزاً عن الفرار. فمن لا يرى لا يستطيع تقدير المسافة إلى الملجأ، ولا تمييز اتجاه النيران، ولا إيجاد طريقه وسط الأنقاض. العصا التي كانت بالأمس رفيقة الدرب، أصبحت في زمن الحرب عبئاً إضافياً وعائقاً.
لكن الأشد إيلاماً كان فقدان الإنسان نفسه. في خضم الفوضى، سقط كثير من المكفوفين من حسابات النجاة. لم تكن هناك خطط إخلاء تراعي احتياجاتهم، ولا إشارات صوتية تدلهم على الأمان. وحين وزعت المساعدات، كانوا آخر من يصل إليهم الخبر، وأول من يُنسى في الزحام.
وعيٌ مجتمعي في مواجهة الانهيار
قبل الحرب، كان الوعي المجتمعي بحقوق المكفوفين في السودان هشاً لكنه يتحرك. كانت هناك مدارس متخصصة، وجمعيات تعنى بشؤونهم، ومحاولات لدمجهم في التعليم وسوق العمل. لكن الحرب كشفت هشاشة هذا الوعي. فالمجتمع الذي لم يتعلم كيف يحترم مسار العصا البيضاء في زمن السلم، لم يستطع أن يحمي صاحبها في زمن الحرب.
ومع ذلك، وسط هذا الركام، برزت نماذج مضيئة. مبادرات فردية وجماعية حاولت لملمة الجراح. متطوعون حملوا المكفوفين هرباً من مناطق القتال. أسرٌ رفضت التخلي عن أبنائها المكفوفين. جمعيات أعادت ترتيب صفوفها لتقديم الدعم النفسي والمادي. هذه النماذج تثبت أن الوعي الحقيقي لا يحتاج إلى مؤسسات ضخمة، بل إلى إرادة إنسانية صادقة.
تقبل الذات في زمن الجراح
لم يكن التحدي سهلاً على الكفيف نفسه. ففي مجتمع ينظر إلى الإعاقة بعين الشفقة، كان على الكفيف أن يخوض معركة داخلية ليتقبل حالته ويثق بقدراته. والحرب أضافت أبعاداً جديدة. فكيف يتقبل الكفيف حالته وهو يرى أن المجتمع نفسه يحتاج إلى من يعينه على تقبّله؟
لكن المفارقة الجميلة أن كثيراً من المكفوفين في السودان أظهروا من الصلابة ما يفوق قدرة كثير من المبصرين. فقد تحول بعضهم إلى مساعدين لغيرهم، ينقلون الأخبار، ويوزعون المساعدات، ويهدّئون الأطفال الخائفين. وهذا درس بليغ للمجتمع: أن العطاء لا يحتاج إلى بصر، بل إلى قلب.
العصا التي يجب أن يحملها المجتمع
في الخامس عشر من أكتوبر هذا العام، ونحن نقف على أنقاض ما تبقى من وطن، لا يكفي أن نذكّر بالمكفوفين ونحن نمسح دمعة عابرة. الأجدى أن نسأل: كيف نعيد بناء وعي مجتمعي يرى المكفوف في الحرب كما في السلم؟ كيف نجعل العصا البيضاء جزءاً من تخطيطنا للمدن وإخلائها، ومن سياساتنا للطوارئ، ومن برامجنا للتعافي وإعادة الإعمار؟
الوعي الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن اعتبار المكفوف حالة استثنائية تحتاج إلى رحمة، ونبدأ في اعتباره مواطناً كامل الحقوق، له صوت يجب أن يُسمع، ومسار يجب أن يُحترم، ومكان يجب أن يُحفظ.
خاتمة: وطن يبصر بعصاه
بعد الحرب، لن تُبنى البيوت وحدها، بل تُبنى النفوس أيضاً. وكل مجتمع يخرج من نار الحرب يحتاج إلى أن يتعلم من جديد معنى الرحمة، ومعنى العدالة، ومعنى أن يكون الجميع — مبصرين ومكفوفين، أصحاء ومعاقين — شركاء في وطن واحد.
العصا البيضاء في السودان ما بعد الحرب ليست مجرد أداة في يد كفيف. إنها مرآة نرى فيها أنفسنا. فإن أبصرناها ورعيناها، أبصرنا معنى الإنسانية. وإن تجاهلناها، أظلمت أمامنا الطريق جميعاً. في هذا اليوم العالمي للعصا البيضاء، ليكن عهدنا أن يعود السودان وطناً يرى فيه الجميع، ويُرى فيه الجميع، دون أن يُترك أحد خلف الركام.
سياسة
منوعات
سياسة
سياسة