من مرثية حميد إلى واقع الشهيد الطيب: جدلية الذهب والدقيق في ظل الظلم الاجتماعي


هذا الخبر بعنوان "طبق الدهب بي مد دقيق" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عام 2003، وبينما كنت عائدًا من دولة الإمارات بعد زيارة شقيقي، أهداني صديقه حميد قصيدة بعنوان "مصباح السماء الثامنة وطشيش"، كانت مرفقة بتسجيل على شريط كاسيت. في ذلك الوقت، كنت أشعر بالقلق في المطار من أجهزة الأمن، حيث كانت أعمال حميد تُتداول سرًا داخل السودان وفي المنافي. نُشرت هذه القصيدة لأول مرة في دولة الإمارات، على ما أظن، في عام 1996.
تذكرت هذه القصيدة، التي رغم كونها مرثية من حميد في صديقه مصطفى سيد أحمد، إلا أنها ظلت صالحة لكل زمان ومكان. وكما قال شاعرنا عباس محمود العقاد: "الشعر من نفس الرحمن مقتبسٌ … والشاعر الفذ بين الناس رحمنُ".
تذكرت قصيدة حميد وأنا أشاهد الشهيد الطيب، على بُعد خطوات من لقاء ربه، يوصي بديون عليه تقل قيمتها عن وجبة لأحد جنرالات الحرب. تذكرت حميدًا وهو يقول على لسان نصيرة: "يا أخواتي ستّات البيوت ناولني قوت.. قبّال أموتْ دُور والعيال ما فكّوا ريق طَبَق الدَهب بي مِد دقيق دهب الجبال صافي البريق بي مِد دقيق إن كان مريق يا أخواتي ستّات البيوت أدّني قوت.. عربون أموت".
يواصل حميد في مرثيته: "كل ما نفقدك نلقاك تحانن بالغناوي وطن مع إنو حباك ميتة الغربة واستكتر عليك كفن". بينما شهيدنا الطيب، استكثروا عليه وطناً. فقد خرجت أبواقهم تحدث الناس أن من قتلوه ليسوا سودانيين، وكأن الوطن ضيعة يحملون شهادة بحثها!
يصور لنا حميد أن الذهب الذي تهوي إليه أفئدة فقراء الشعب في سودان اليوم يقف عاجزاً عن توفير قيمة كيلتين من الدقيق. يخشى الطيب أن يلقى ربه وهما دين عليه، بينما هناك من يسرق ويقتل ولا يخشى ربه من دم هذا ومال ذاك. وهي جدلية تصور ظلم الإنسان لأخيه الإنسان عندما تغيب العدالة الاجتماعية بفعل الرأسمالية المتوحشة ويسود قانون الغاب حيث يأكل القوي مال الضعيف، وفق قانون توافقوا عليه يوم أن جعلوا الوطن فريسة تتقاتل عليها الضباع، وأصبح فيها المجد للبندقية.
"اتشهّد الطيب واستغفر وقفل على روحو الجبل كان الطيب بيفتكر جوف الجبال أولابه من عيشة الوبال أولابه من حرس الرجال ساعة يصيب البال خلل". لقد ظل حميد دوماً منحازاً للفقراء، عاش بسيطاً وسط عامة البسطاء، ووقف صادحاً بالحق يعدد الأسباب التي أدت إلى أن نتذيل العالم في دخل الفرد ونتصدره في الجوع والفقر. لقد أعطى الله السودانيين كل ما تتمناه دولة من موارد، فشلوا في إدارتها، إذ ظل هذا البلد على الدوام يتقدمه أقزام. "ليش البلاد ما تستباح يوماتي كل ما الليل دخل إشمعنا يا شوفنا الرحل إشمعنا يا طيبنا الرحل".

ثقافة
ثقافة
ثقافة