استقلال المحاماة: ضمانة العدالة في أوقات الاضطراب والدفاع عن القانون كواجب


هذا الخبر بعنوان "المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة الخامسة: استقلال المحاماة… حين يكون الدفاع عن القانون واجباً" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الأوقات العادية، قد يبدو الحديث عن استقلال المحاماة شأناً مهنياً يخص المحامين أكثر من غيرهم. لكن في أوقات الحرب والاضطراب والاستقطاب، يتغير هذا المنظور. عندما تتسع دائرة الاشتباه وتصبح القضايا الأمنية أكثر حضوراً، ويصبح الانتماء أو الموقف أو مجرد تمثيل شخص محل نظر وشك، يصبح استقلال المحامي ضرورة تتصل مباشرة بحق المواطن في الدفاع والعدالة. فالمحامي لا يختار موكليه بناءً على قناعاته السياسية، بل يؤدي واجبه وفقاً للقانون.
ماذا يعني استقلال المحاماة؟
لا يعني أن يكون المحامي فوق القانون، أو أن يقف ضد الدولة ومؤسساتها. بل يعني أن يتمكن من أداء واجبه المهني دون تخويف أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير مشروع. ويعني أيضاً أن يتمكن من مقابلة موكله، والاستماع إليه، وتقديم المشورة له، والدفاع عنه، دون أن يُعامل بسبب ذلك كطرف في قضيته. وهذه ليست حماية للمحامي وحده، بل هي حماية للحق الذي جاء المحامي ليحميه.
لهذا السبب، نصت الوثيقة الدستورية الانتقالية وتعديل عام 2025 صراحة على أن «المحاماة مهنة خاصة ومستقلة ينظمها القانون»، وربطت هذه المهنة بحماية الحقوق الأساسية للمواطنين ودفع الظلم والدفاع عن الحقوق والمصالح القانونية. وهذا النص الدستوري يحمل معنى بالغ الأهمية: استقلال المحاماة ليس امتيازاً للمحامي، بل هو وسيلة لتمكينه من أداء رسالته.
لم يترك القانون الاستقلال بلا ضمانات. فقد وضع قانون المحاماة السوداني عدداً من الضمانات التي تحمي المحامي أثناء أداء عمله. ومن أبرزها المادة 48، التي تضع حماية إجرائية خاصة للمحامي عند القبض عليه أو استدعائه للتحقيق، مع ترتيبات خاصة إذا كانت الواقعة متصلة بعمله المهني. وهذه ضمانة مهمة لحماية المحامي من أن يتحول أداء واجبه إلى سبب لتعريضه لإجراء تعسفي أو غير منضبط.
لكن ضمانات الاستقلال لا تقف عند هذه المادة. فالقانون يحمي كذلك سرية العمل المهني، ويضع حماية للإجراءات التي تتم بسبب ممارسة المحاماة، ويقرر إطاراً مهنياً يتعامل مع المحامي باعتباره شريكاً في إقامة العدالة، لا خصماً للمؤسسات التي يعمل أمامها. كما أن المجتمع الدولي نفسه ينظر إلى هذه المسألة بالطريقة ذاتها. فمبادئ الأمم المتحدة بشأن دور المحامين تقرر حق المحامي في أداء وظائفه دون تخويف أو عرقلة أو مضايقة أو تدخل، وتوجب حماية أمنه عندما يتعرض للخطر بسبب عمله، وتؤكد ألا يؤخذ بجريرة موكله أو بقضيته لمجرد تمثيله له. كما تحمي سرية الاتصال بين المحامي وموكله.
لماذا يصبح هذا الحديث أكثر إلحاحاً في بلادنا اليوم؟
لأن المحامي قد يجد نفسه أمام قضية حساسة، أو أمام جهة أمنية، أو أمام متهم ينظر إليه البعض باعتباره خصماً أو متعاوناً مع طرف في الحرب. وهنا يجب أن يبقى المبدأ واضحاً: تمثيل الشخص ليس تبنياً لموقفه، والدفاع عنه ليس موافقة على ما يُنسب إليه. المحامي لا يحقق، ولا يتهم، ولا يصدر حكماً. وظيفته أن يضمن أن من يقف أمام القانون سيحصل على دفاع قانوني، وأن الإجراءات التي تمس حريته وحقوقه ستخضع للقانون. وإذا كان الشخص بريئاً، فالدفاع عنه حق. وإذا كان متهماً، فالدفاع عنه حق. وحتى إذا كان قد ارتكب جريمة، فإن حقه في محاكمة عادلة ودفاع قانوني لا يسقط. وهنا تكمن قيمة المحاماة في زمن الاستقطاب تحديداً: أن تبقى العدالة أكبر من الخصومة.
الظرف الاستثنائي لا يلغي القانون
ندرك جميعاً أن السودان يعيش ظروفاً أمنية استثنائية، وأن للدولة مسؤولية حماية الأمن ومواجهة الجرائم والانتهاكات، وأن العمل في مثل هذه الظروف ليس كالأوضاع العادية. لكن احترام هذه الضرورات لا يتعارض مع احترام دور المحامي. بل ربما يكون احترام دوره أكثر ضرورة في الظروف الاستثنائية؛ لأن كلما ازدادت حساسية القضايا، ازدادت الحاجة إلى محامٍ يستطيع أن يؤدي عمله بحرية. فالاستثناء الأمني ينبغي أن يظل استثناءً تحكمه القواعد القانونية، وألا يتحول إلى قاعدة تجعل ممارسة المحاماة نفسها موضع شبهة. ليس المطلوب أن يُعامل المحامي معاملة فوق القانون، بل أن يُعامل وفق القانون بسبب طبيعة وظيفته. وهذه ليست حماية لشخص المحامي، بل حماية لحق المواطن في أن يجد من يدافع عنه.
استقلال المحاماة مسؤولية مشتركة
على الدولة أن تحمي هذا الاستقلال. وعلى القضاء والنيابة وسائر أجهزة العدالة أن تحترم دور المحامي. وعلى الأجهزة الأمنية، وهي تؤدي واجباتها في هذه الظروف الصعبة، أن تميز بين المحامي الذي يؤدي واجبه المهني وبين من تثبت مسؤوليته الشخصية عن فعل مجرّم. وعلى النقابة أن تكون قادرة على حماية أعضائها عندما يتعرضون بسبب مهنتهم للتضييق أو التهديد. وعلى المحامي نفسه أن يدرك أن الاستقلال الذي يطالب به ليس امتيازاً شخصياً، بل هو أمانة تتطلب شجاعة مهنية وانضباطاً واحتراماً للقانون. فاستقلال المحاماة لا يعني أن يكون المحامي خصماً للدولة، كما لا يعني أن يكون تابعاً لها. بل يعني أن يكون للمواطن محامٍ يستطيع أن يقف إلى جانبه، حتى في أصعب الظروف، دون أن يخشى من أداء واجبه. وهنا نعود إلى جوهر هذه السلسلة: نحن لا ندافع عن المحامي لأنه محامٍ. نحن ندافع عن فكرة أن القانون يجب أن يجد من يستطيع أن يدافع عنه. ويبقى السؤال الذي تقودنا إليه هذه الحلقة بصورة طبيعية: إذا كان استقلال المحامي ضرورياً حتى يستطيع أن يحمي حقوق موكله، فكيف ينبغي أن تكون العلاقة بين هذا المحامي وموكله؟ وأين تبدأ حدود الثقة، وأين تنتهي مسؤولية كل منهما؟ ذلك ما نناقشه في الحلقة القادمة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة