حكم بالإعدام على عاطف نجيب: انتصار قضائي يبعث الأمل في نفوس ضحايا درعا


هذا الخبر بعنوان "الحكم بإعدام عاطف نجيب.. الضحايا يستعيدون جرائم الجلاد" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن نطق القاضي بالحكم على عاطف نجيب مجرد ختام لجلسة قضائية بالنسبة لذوي الضحايا والشهود. ففي درعا، المدينة التي شهدت عام 2011 بداية أحداث شكلت منعطفاً حاسماً في تاريخ سوريا، أعاد الحكم إلى الواجهة أسماء ضحايا وذكريات مؤلمة لاعتقال وتعذيب وإطلاق نار، يرويها من عايشوها بأنفسهم. امتزج شعور الارتياح لدى عدد ممن تحدثوا لـ«سوريا 24» بألم الفقد، فالحكم منحهم إحساساً بفتح باب المساءلة، لكنه لم يبدد سنوات الانتظار ولم يُعد من فقدوهم.
حكم لا يعيد الغائبين
كان شقيق أحمد أبو نبوت من بين الذين انتظروا صدور الحكم بفارغ الصبر. وصف شعور عائلته بـ«السعادة الكبيرة» عند سماع الحكم، لكنها بقيت سعادة ممزوجة بالألم. يروي أن شقيقه أحمد كان من بين المتوجهين إلى محيط الجامع العمري بعد حصاره واقتحامه عام 2011، قبل أن يُصاب بطلق ناري ويُنقل بسيارة إسعاف باتجاه مشفى درعا الوطني. وبحسب روايته، أُوقفت سيارة الإسعاف عند حاجز تابع للأمن السياسي قرب دوار الكرك، حيث كان عاطف نجيب متواجداً، وتعرضت السيارة لإطلاق نار قبل توقيف سائقها عباس محاميد. وأضاف أن أحمد كان برفقة جريح آخر يُدعى محمد أبو العيون، وأنهما أُنزلا من سيارة الإسعاف واستُجوبا وهما ينزفان، قبل أن يُتركا على الأرض لفترة خلال ساعات الليل. نُقلا لاحقاً إلى مشفى درعا الوطني بعد تدهور حالتهما نتيجة النزف وانخفاض ضغط الدم والتعرض للبرد، لكن محاولات إنقاذهما باءت بالفشل وتوفيا لاحقاً. ويرى شقيق أبو نبوت أن الحكم «لن يعيد لنا الشباب والإخوة الذين فقدناهم»، لكنه يمنح العائلات قدراً من الإنصاف النفسي ويعزز شعورها بأن ما جرى لم يُطوَ دون مساءلة.
دعوى بدأت بعد سقوط النظام
أبو نبوت أوضح أن عائلته بدأت التحرك قضائياً بعد سقوط النظام، ورفعت دعوى ضد عاطف نجيب استناداً إلى مسؤوليته المباشرة عن أحداث الجامع العمري ووقائع أخرى شهدتها درعا. وتابع أفراد العائلة جلسات المحاكمة منذ بدايتها، وقدموا ما طُلب منهم من وثائق وشهادات وصور ومقاطع فيديو، بالتعاون مع فريق الادعاء، ومن بينهم المحاميتان نهى المصري ومرام أبازيد. وجاء الحكم بعد مسار طويل شاركت فيه عائلات الضحايا عبر تقديم الأدلة والشهود ومتابعة الجلسات. وأشار أيضاً إلى توجه لرفع مذكرة عبر مجلس الشعب لمخاطبة وزارتي الخارجية والعدل بشأن مطالبة روسيا بتسليم بشار الأسد وماهر الأسد وغيرهما من المطلوبين الموجودين على أراضيها، تمهيداً لمحاكمتهم في سوريا.
ليلة بلا نوم قبل الحكم
يدن الدراجي، أحد الشهود في القضية، قضى الساعات التي سبقت صدور الحكم في حالة ترقب شديدة، لدرجة أنه لم يتمكن من النوم. أوضح أن انتظاره لم يكن مدفوعاً بالرغبة في الانتقام، بل برغبته في رؤية بداية لمسار يحقق «إحقاق الحق» والعدالة في سوريا. شعر بسعادة خاصة عندما شاهد أهالي ضحايا، بينهم أصدقاء ومقربون منه، يعبرون عن فرحتهم بالحكم، معتبراً أن تلك اللحظة منحتهم شعوراً بأن حقوق من فقدوهم لم تُنسَ. ركزت شهادته أمام المحكمة على دحض ادعاءات تتعلق بعدم اعتقال مدنيين داخل فرع الأمن السياسي، مؤكداً أنه كان شخصياً معتقلاً، وأن أشخاصاً آخرين كانوا معه، من بينهم المهندس الراحل معن العودات. وشاهد خلال اعتقاله حالات تعذيب، بينها اعتداء مجموعة من العناصر بالضرب على أحد المعتقلين. هدفت شهادته إلى إثبات أن الفرع كان ينفذ اعتقالات وأعمال تعذيب تحت إمرة نجيب. ويرى الدراجي أن نفوذ نجيب في حوران آنذاك لم يكن مقتصراً على منصبه رئيساً لفرع الأمن السياسي، بل امتد إلى نطاق أوسع داخل المنظومة الأمنية في المنطقة. عايش أيضاً عدداً من الأحداث التي شهدتها درعا في الأيام الأولى للاحتجاجات، بينها إطلاق النار خلال تشييع الضحايا واقتحام الجامع العمري. بالنسبة إلى الدراجي، لا ينبغي أن يمثل الحكم نهاية للمسار، بل بدايته، مشيراً إلى ضرورة الكشف عن مصير المفقودين والمغيبين وتعويض الضحايا وبناء مؤسسات تضمن عدم تكرار الانتهاكات.
«دموع فرح» بعد سنوات طويلة
الضابط المتقاعد عاكف المحاميد، شقيق أربعة شهداء، من بينهم الطبيب علي عصاب المحاميد، الذي قُتل أثناء مشاركته في إسعاف جرحى أحداث الجامع العمري، ينظر إلى الحكم من زاوية شخصية وقانونية. يمثل الحكم على عاطف نجيب، بالنسبة إليه، إحدى أولى الخطوات العملية في مسار العدالة الانتقالية، ويمنح شعوراً بالإنصاف لذوي الضحايا والأرامل والمعتقلين والمهجرين. وأضاف أن نجيب، بحكم موقعه وقربه من رأس النظام السابق، كان يتمتع بنفوذ واسع في درعا، وتدخل في شؤون السكان ومارس ضغوطاً عليهم، كان آخرها قبل اندلاع الثورة عبر احتجاز عدد من الآليات وابتزاز الأهالي لتركها. تحدث المحاميد عن الأحداث التي سبقت اندلاع الاحتجاجات في درعا، قائلاً إن اعتقال الأطفال بعد كتابتهم عبارات مناهضة للنظام على الجدران، وما قال إنها أعمال تعذيب تعرضوا لها، إلى جانب رفض مطالب الأهالي بالإفراج عنهم، كانت من العوامل التي سبقت خروج الاحتجاجات. استعاد أحداث الجامع العمري في 23 آذار/مارس 2011، متحدثاً عن شقيقه الطبيب علي عصاب المحاميد، اختصاصي أمراض القلب، الذي كان ضمن الطواقم الطبية التي توجهت لإسعاف الجرحى قبل أن يُقتل أثناء نقل مصابين من الجامع العمري باتجاه مشفى درعا الوطني. أطلقت القوات الأمنية النار على سيارة الإسعاف أثناء وجود عاطف نجيب في الموقع بين درعا المدينة ودرعا البلد، مضيفاً أن نجيب كان، بحسب شهادته، مسؤولاً عن إصدار الأوامر. يتحدث المحاميد عن العدالة أيضاً من موقع شخصي، إذ قُتل أربعة من إخوته خلال سنوات النزاع، بينهم طبيب توفي تحت التعذيب، وآخر مهندس، إضافة إلى مقاتل قُتل أثناء المعارك. مشاهد الفرح التي شهدتها درعا بعد صدور الحكم أعادت للناس، برأيه، شيئاً من ثقتهم بالقانون، قائلاً إن «دموع الفرح» حضرت هذه المرة بدلاً من دموع الفقد. يرى المحاميد أن نجاح مسار العدالة الانتقالية يحتاج إلى إرادة شعبية ودعم من مؤسسات الدولة، إضافة إلى تعاون دولي، مطالباً الدول التي يوجد على أراضيها أشخاص مطلوبون للقضاء السوري بتسليمهم لمحاكمتهم.
ملف من الشهادات والوثائق
من داخل فريق الادعاء، قالت المحامية نهى المصري إن الحكم جاء «ملبياً لآمالنا وتطلعاتنا كمتضررين وأهالٍ وذوي شهداء»، معتبرة أنه يتناسب مع «حجم التضحيات والدماء التي أُريقت ثمناً للوصول إلى هذا اليوم». وأضافت أن الحكم يمثل «خطوة مهمة وحقيقية في مسار العدالة الانتقالية»، ورسالة بأن الإفلات من العقاب لا ينبغي أن يستمر. قدم فريق الادعاء مجموعة من الأدلة شملت شهادات لأشخاص عايشوا الأحداث، إلى جانب أدلة مادية ووثائق مكتوبة ونصوص برقيات وضبوط شرطة وتقارير أطباء شرعيين. اطلعت المحكمة على الثبوتيات المقدمة، معربة عن أملها في أن يُصدَّق الحكم أمام محكمة النقض في حال الطعن فيه. وترى المصري أن الحكم لا يمثل نهاية للقضية، بل «بداية حقيقية للعدالة والمساءلة وإنصاف جميع الضحايا».
عدالة تبدأ من المحكمة ولا تنتهي عندها
على اختلاف مواقعهم بين ذوي ضحايا وشاهد وضابط متقاعد ومحامية في فريق الادعاء، يتفق المتحدثون على أن الحكم لا يمثل بالنسبة إليهم نهاية المسار. أبو نبوت يتحدث عن استمرار ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، بينما يضع الدراجي في مقدمة الأولويات الكشف عن مصير المفقودين والمغيبين وتعويض الضحايا وبناء مؤسسات تمنع تكرار ما حدث، في حين يربط المحاميد نجاح العدالة الانتقالية بإرادة الدولة والتعاون الدولي. ترى المصري أن الملف القضائي وما تضمنه من شهادات ووثائق وأدلة يمكن أن يشكل أساساً لمسار أوسع للمساءلة. وبين عائلات فقدت أبناءها، وشهود عادوا أمام المحكمة إلى تفاصيل الاعتقال والعنف، ومحامين جمعوا الوثائق والأدلة، يبدو الحكم على عاطف نجيب بالنسبة لهؤلاء محطة أولى في مسار لم تُكتب نهايته بعد. وفي درعا، حيث بدأت أحداث غيرت مسار البلاد، أعاد الحكم إلى الواجهة سؤالاً ظل حاضراً طوال سنوات: كيف يمكن تحويل ذاكرة العنف والفقد إلى مسار قضائي يضمن حق الضحايا في الحقيقة والمساءلة، ويمنع تكرار الانتهاكات؟
سياسة
سوريا محلي
سياسة
اقتصاد