السودان
سياسة

الحارث إدريس ومجلس الأمن: حين تقف الرواية في وجه التاريخ الدبلوماسي للسودان

التغيير٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ في ٠٨:٤٨ ص0 مشاهدة
الحارث إدريس ومجلس الأمن: حين تقف الرواية في وجه التاريخ الدبلوماسي للسودان

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الحارث.. أردنا حياته فاراد قتلنا" نشر أولاً على موقع التغيير وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تستعيد الذاكرة مقولة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الشهيرة «أريد حياته ويريد قتلي»، لتلخص مفارقة موجعة في المشهد السوداني الحالي. فأن تمد يدك لمن ترجوه أن يحيا، فإذا به يرفع يده عليك، يفتح الباب أمام حكاية السفير الحارث إدريس الذي أعادته الدولة المدنية إلى موقعه بعد أن أخرجه نظام البشير، ليقف لاحقاً في مجلس الأمن ويقدم رواية تصطدم بالتاريخ الذي تحفظه المؤسسة نفسها التي يجلس تحت قبتها.

لم تولد الدبلوماسية السودانية كبيرة بالمال ولا بالقوة، بل ولدت كبيرة بالرجال منذ أن بدأت نواتها قبل الاستقلال وقامت وزارة الخارجية السودانية. حمل رجالها إلى العالم دولة حديثة الميلاد قليلة الإمكانات وكثيرة الثقة والاعتزاز بنفسها. ففي عام 1956 أعلن السودان انضمامه إلى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، وكان من الدول الأفريقية التي شاركت في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963 وأسهم دبلوماسيوه في صياغة ميثاقها.

ويبرز في هذا التاريخ اسم السفير المخضرم عمر عديل، أول مندوب دائم للسودان لدى الأمم المتحدة والذي انتُخب بالإجماع رئيساً للجنة السياسية في الجمعية العامة عام 1962. لقد استطاعت الدبلوماسية السودانية أن تصنع سمعتها بالعلم، والمهنية، والصدق، وحسن التفاوض، وكان الدبلوماسي يحمل السودان لا السلطة، ويعرف أن الحكومة تتغير لكن اسم الوطن يبقى.

ثم جاء عهد الإنقاذ لتعرض الخارجية لما تعرضت له مؤسسات الدولة، حيث امتدت يد الخراب والاقصاء باسم التمكين، وفُصل دبلوماسيون مهنيون وضُربت تقاليد ظلت تتراكم منذ الاستقلال. والمفارقة أن الحارث إدريس كان من الذين طالتهم تلك السياسة، قبل أن تأتي المرحلة الانتقالية المدنية لتفتح الباب لإعادة المفصولين إلى الخدمة.

لكن دار الزمان دورته، وفي 24 أغسطس 2026 جلس الحارث في مجلس الأمن ليقدم رواية تفيد بأن القوات المسلحة لم تصل إلى السلطة بانقلاب في أكتوبر 2021، وأن الحكومة المدنية استقالت طوعاً وأن الجيش وجد فراغاً كان عليه أن يملأه. وهنا يبرز التناقض التاريخي الصارخ؛ ففي 25 أكتوبر 2021 كان حمدوك رئيساً للوزراء، أما استقالته فجاءت في 2 يناير 2022، أي بعد وقوع الانقلاب بأكثر من شهرين، مما يجعل محاولة قلب ترتيب الأيام أمراً يعجز أمامه الكلام.

إن ما حدث لا يججرح الحارث وحده، بل يجرح إرث الدبلوماسية السودانية التي صنعها رجال كانوا يعرفون أن الكلمة أمانة وأن الوطن لا يحتاج إلى سفير يجمّل الحقيقة، بل إلى سفير يستطيع حملها على أكتافه. وحين يعجز الكلام عن إقناع التاريخ، يبدأ التاريخ في محاكمة الكلام.

شارك الخبر: