السودان
سياسة

مواجهة الفكر الظلامي: رهان الأردن على الوحدة والأمن

النيلين٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٠:٥٢ م0 مشاهدة
مواجهة الفكر الظلامي: رهان الأردن على الوحدة والأمن

تنويه

هذا الخبر بعنوان "​الفكر الظلامي .. ورهان الفتنة" نشر أولاً على موقع النيلين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

إن حماية الأمن والاستقرار في أي مجتمع هي الركيزة الأساسية لنموه وازدهاره، إلا أن هذا الاستقرار يواجه تحدياً خطيراً يهدد السلم الأهلي، وهو الفكر المتطرف. فالفكر الظلامي التكفيري لا يستهدف المباني أو الأرواح فحسب، بل يسعى بالدرجة الأولى إلى تجزئة المجتمعات وزعزعة ثقتها بنفسها واختراق نسيجها الاجتماعي القائم على التعددية والتعايش السلمي.

هذا التفكير الظلامي والتكفيري لم يظهر صدفة، بل بدأت جذوره وامتداداته منذ أربعين عاماً عبر شبكات خفية وخطابات مظلمة استهدفت تدمير عقول الشباب وتشويه القيم السمحة. وعلينا اليوم جميعاً أن نركز جهودنا بشكل حاسم ودائم بمحاربته واجتثاثه من جذوره.

لم يكن الأردن بمعزل عن استهداف القوى الظلامية، فقد أثبتت التجارب التاريخية أن الأردن كان وما زال هدفاً للتنظيمات التكفيرية بسبب موقفه الثابت والواعي ضد الغلو واعتماده رسالة الاعتدال والوسطية. وشهد الأردنيون، ومعهم العالم أجمع، إحدى أكثر المحطات ألماً في تاريخ المملكة الحديث في تفجيرات عمان في التاسع من تشرين الثاني عام 2005، عندما استهدفت يد الغدر التكفيرية ثلاثة فنادق في العاصمة عمان وأسفرت عن إزهاق أرواح الأبرياء. تلت ذلك محاولات استهداف استقرار الوطن، وصولاً إلى أحداث الكرك الإرهابية في كانون الأول عام 2016، عندما حاولت عصابات الإرهاب اتخاذ المدينة منطلقاً لنشر الفوضى. فوقفت الكرك بأبنائها النشامى جنباً إلى جنب مع منتسبي الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة، وسطروا ملحمة من الشجاعة والتضحية تثبت أن المجتمع الأردني يمتلك مناعة ذاتية وعفوية ترفض الفكر التكفيري وتتصدى له بالدم والروح.

تكمن الخطورة الحقيقية للتكفير في أنه ينطلق من استعلاء معرفي وديني غير مشروع يلغي فيه الآخر ويشوه تعاليم الأديان وقيم الإنسانية السامية، معتمداً على اختطاف العقول وتغليب الخطاب العاطفي الانفعالي واستغلال الفئات الهشة عبر وسائل التواصل الحديثة للتحريض على الكراهية وتمزيق الصلات التي تجمع أبناء الوطن الواحد.

لم تعد المواجهة الأمنية وحدها كافية لدحر الإرهاب، بل أصبحت المواجهة الفكرية والثقافية هي خط الدفاع الأول لاستئصال هذا الداء من جذوره، من خلال تعزيز الوعي المجتمعي والتربية الوقائية، وبناء وعي نقدي لدى الشباب وتحصينهم ضد الأفكار المتطرفة، وزرع قيم قبول الاختلاف والحوار الديمقراطي الواعي.

يقع على عاتق المجتمع بأسره المسؤولية الكبرى في حماية السلم الأهلي، ويزداد هذا الدور تركيزاً وقوة على عاتق الإعلاميين وأصحاب القلم ووسائطهم المختلفة في صياغة الخطاب الإعلامي البديل والمستنير، والذي يفند الروايات التكفيرية بالحجة والعقل والمنطق، وينشر الثقافة التنويرية، مع تحري الدقة والمهنية وتجنب الإثارة أو نشر الشائعات والخطابات التي تسهم دون قصد في تأجيج المشاعر أو التجييش الطائفي والفئوي. وتعزيز مبادئ المواطنة الفاعلة وتسليط الضوء على قصص النجاح والتعايش وإبراز صورة المجتمع الأردني القائم على الإخاء والتكافل.

في الختام، تبقى الأوطان العظيمة تُقاس بقدرتها على تجاوز المحن. وها هي مدينة الكرك الأردنية الشامخة، والأردن بأكمله، تثبت مجدداً، حتى في وجه الألم والحدث الأليم الذي شهدته هذه الأيام باستهداف كنيسة قرية حمود، أن جدران التلاحم الوطني والعيش المشترك أصلب من أن تنال منها يد الغدر. وإن رصاص الفتنة والتطرف لا يزيد هذا الوطن إلا صلابة وإصراراً على حماية واحة أمنه واستقراره، لتبقى راية الأردن خفاقة بالوحدة والمنعة والازدهار.

شارك الخبر: